أحمد بن محمد المقري التلمساني

181

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

النبيين في أعلى عليين في الجنة ، فقد أعلمتك يا بني بمجملات جميع ما سمعت من مشايخي متفرقا في هذا الباب ، فأقبل الآن على ما قصدتني « 1 » له أو دع ، فهالني قوله ، فسكتّ متفكرا ، وأطرقت متأدبا ، فلما رأى ذاك مني قال : وإن لم تطق حمل هذه المشاق كلها فعليك بالفقه ، يمكنك تعلمه وأنت في بيتك قارّ ساكن لا تحتاج إلى بعد الأسفار ، ووطء الديار ، وركوب البحار ، وهو ذا ثمرة الحديث ، وليس ثواب الفقيه دون ثواب المحدّث في الآخرة ، ولا عزه بأقلّ من عز المحدث ، فلما سمعت ذلك نقص عزمي « 2 » في طلب الحديث ، وأقبلت على دراسة الفقه وتعلمه إلى أن صرت فيه متقدما ، ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من علمه بتوفيق اللّه تعالى ومنته ، فلذلك لم يكن عندي ما أمليه لهذا الصبي يا أبا إبراهيم ، فقال له أبو إبراهيم : إن هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند غيرك خير للصبي من ألف حديث يجده عند غيرك ، انتهى . وجاء أبو حيان إلى ابن تيمية والمجلس غاصّ فقال يمدحه ارتجالا : [ بحر البسيط ] لما أتينا تقيّ الدين لاح لنا * داع إلى اللّه فرد ما له وزر على محياه من سيما الألى صحبوا * خير البرية نور دونه القمر حبر تسربل منه دهره حبرا * بحر تقاذف من أمواجه الدرر « 3 » قام ابن تيمية في نصر شرعتنا * مقام سيد تيم إذ عصت مصر « 4 » فأظهر الحقّ إذ آثاره درست * وأخمد الشر إذ طارت له الشرر كنا نحدث عن حبر يجيء فها * أنت الإمام الذي قد كان ينتظر ثم انحرف أبو حيان فيما بعد عن ابن تيمية ، ومات وهو على انحرافه ، ولذلك أسباب : منها أنه قال له يوما : كذا قال سيبويه ، فقال : يكذب سيبويه ، فانحرف عنه ، رحم اللّه تعالى الجميع ! وحضر الشيخ أبو حيان مع ابن بنت الأعز في الروضة فكتب إلى أبي حيان ووجّهه مع بعض غلمانه : [ بحر المنسرح ]

--> ( 1 ) في ب ، ه : « فأقبل الآن إلى ما قصدتني له أو دع » . ( 2 ) في ب : « نقض عزمي » . ( 3 ) الحبر : العالم . والحبر : جمع حبرة ، وهي نوع من الثياب المخططة التي اشتهرت اليمن بصناعتها . ( 4 ) سيد تيم : أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه وفي ب « عصت مضر » .