أحمد بن محمد المقري التلمساني
62
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
النفوس شمه ، وتستدفع الأكف ضمه ، وأنا أمتع يابسا ورطبا ، وتدخرني الملوك في خزائنها وسائر الأطباء ، وأصرف في منافع الأعضاء ، فإن فخرا باستقلالهما على ساق هي أقوى من ساقي ، فلا غرو أن الوشي ضعيف ، والهوى لطيف ، والمسك خفيف ، وليس المجد يدرك بالصّراع ، وقد أودعت أيد اللّه مولانا قوافي الشعر من وصف مشابهي ما أودعاه ، وحضرت بنفسي لئلا أغيب عن حضرتهما ، فقديما فضل الحاضر وإن كان مفضولا ، ولذا قالوا : ألذ الطعام ما حضر لوقته ، وأشعر الناس من أنت في شعره ، فلمولانا أتم الحكم في أن يفصل بحكمه العدل ، وأقول : [ الكامل ] شهدت لنوّار البنفسج ألسن * من لونه الأحوى ومن إيناعه « 1 » لمشابه الشّعر الأعمّ أعاره ال * قمر المنير الطّلق نور شعاعه ولربّما جمع النّجيع من الطّلى * من صارم المنصور يوم قراعه فحكاه غير مخالف في لونه * لا في روائحه وطيب طباعه ملك جهلنا قبله سبل العلا * حتّى وضحن بنهجه وشراعه في سيفه قصر لطول نجاده * وتمام ساعده وفسحة باعه ذو همّة كالبرق في إسراعه * وعزيمة كالحين في إيقاعه « 2 » تلقى الزّمان له مطيعا سامعا * وترى الملوك الشّمّ من أتباعه وما أحسن قول بعض الأندلسيين يصف حديقة : [ الكامل ] وحديقة مخضرّة أثوابها * في قضبها للطّير كل مغرّد نادمت فيها فتية صفحاتهم * مثل البدور تنير بين الأسعد والجدول الفضّيّ يضحك ماؤه * فكأنّه في العين صفح مهنّد وإذا تجعّد بالنّسيم حسبته * لمّا تراه مشبها للمبرد وتناثرت نقط على حافاته * كالعقد بين مجمّع ومبدّد وتدحرجت للنّاظرين كأنّها * درّ نثير في بساط زبرجد « 3 » وكان بحمام الشطارة بإشبيلية صورة بديعة الشكل فوصفها بعض أهل الأندلس بقوله : [ الوافر ]
--> ( 1 ) الأحوى من كان لونه بلون الحديد . ( 2 ) الحين ، بفتح الحاء : الموت . ( 3 ) في ه : وترجرجت للناظرين .