أحمد بن محمد المقري التلمساني
42
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
لا يعرف الباحث عنه له حدا ، وذلك لشدة ولوع النفوس بذكر أحبابها وحنينها إلى أماكنها التي هي مواطن أطرابها ، ولهذا اقتصرنا على هذه النبذة القليلة ، وجعلناها نغبة « 1 » يشفي المشوق بها غليله ، وقد كره بعض العقلاء التأسف على الديار لعلمهم أنه لا يجدي ، ولا يدفع عادية الدهر الخؤون ولا يعدي ، ونهوا عنه لما فيه من تجديد المصاب ، المجرع لصاحبه الصاب والأوصاب « 2 » . قال أبو عمر بن عبد البر : [ الكامل ] عفت المنازل غير أرسم دمنة * حيّيتها من دمنة ورسوم كم ذا الوقوف ولم تقف في منسك * كم ذا الطّواف ولم تطف بحريم فكل الدّيار إلى الجنائب والصّبا * ودع القفار إلى الصّدى والبوم « 3 » انتهى كلامه رحمه اللّه تعالى بأكثر لفظه مع بعض اختصار . [ من رسائل لسان الدين بن الخطيب ] رجع إلى قرطبة - فنقول : وقد ألم لسان الدين بن الخطيب رحمه اللّه تعالى بذكر قرطبة وبعض أوصافها في كتاب له كتبه على لسان سلطانه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد ذكرناه بجملته في الباب الخامس من القسم الثاني فليراجع ثمّة « 4 » ، ونص محل الحاجة منه هنا : ثم كان الغزو إلى أم البلاد ، ومثوى الطارف والتّلاد ، قرطبة ، وما قرطبة ؟ المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان العمل ، والكرسيّ الذي بعصاه رعي الهمل ، والمصر [ المعمور « 5 » ] الذي في خطه « 6 » الناقة والجمل ، والأفق الذي هو لشمس الخلافة العبشمية الحمل « 7 » ، فخيم الإسلام في عقرتها المستباحة « 8 » ، وأجاز نهرها المعيي على السباحة ، وعم دوحها الأشب بوارا ، وأدار المحلات بسورها سوارا ، وأخذ بمخنّقها حصارا ، وأعمل النصر بشجرة أصلها اجتناء ما شاء واهتصارا ، وجدّل من أبطالها من لم يرض انجحارا « 9 » ، فأعمال إلى المسلمين
--> ( 1 ) في ج : نبعة ، والنبغة : الجرعة . ( 2 ) الصاب : شجر مر الطعم . والأوصاب : جمع وصب ، وهو المرض ، والألم الدائم . ( 3 ) الجنائب : جمع جنوب ، وهي الريح التي تهب من ناحية الجنوب . ( 4 ) ثمة : هناك . ( 5 ) في ب : ما بين حاصرتين غير موجود . ( 6 ) في ب : الذي له في خطة . ( 7 ) العبشمية : النسبة إلى عبد شمس . ( 8 ) في ب : عقوتها المستباحة . ( 9 ) الانجحار : الدخول في الجحر .