هشام جعيط
98
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
ستحدد مورفولوجيا المدينة الاسلامية العتيدة بأكملها . المسجد الأصلي : لا فائدة من التذكير بالمناقشات التي دارت بين المستشرقين والمؤرخين المسلمين بخصوص فكرة المسجد ، طالما كانت المواقف مطبوعة هنا وهناك بالعجز عن استقراء النصوص وإمعان النظر فيها . أما في العصر الحديث ، فقد اهتم غرابار بقضية مولد المسجد الاسلامي وتطوره « 1 » . وقد يعاب على غرابار أيضا ، أن بحثه عن « نمط مثالي » ، جعله يتنقل دون حرج وبنوع من الخفة ، من القرآن إلى ابن خلدون . إن أقواله يمكن أن تعتبر في آن صحيحة وخاطئة ، من وجهة دراستنا المونوغرافية ، كما من وجهة المنطق التاريخي المجرد ، من جهة أخرى . فمن البديهي أن القرآن يماثل بين فكرة المسجد وفكرة المعبد ، لأن المعبد كان المرجع العالمي في ذلك العصر . لكن ما لا يقل بداهة أن الإسلام الذي عرّف بنفسه كدين جديد ، لم يكن له منذ البداية ، إلا أن يضفي على « المعبد » الاسلامي خصوصيته الأكثر صرامة . ويتحدث غرابار من جهة أخرى « 2 » عن ظهور « مركز » مدني / موطني - civic center بالكوفة والبصرة والفسطاط ، وهو أمر صحيح . لكنه لا يكاد يدرك فيه الجانب التقليدي والعادي ، لأن مركز النشاط الموطني لا يتعارض مع الخطط القبلية ، كما لا يتعارض المسجد المركزي مع مساجد العشائر إلا بقدر ما يتعلق الأمر بدين جديد وجب غرسه ، ولربما وجد معبد ومركز للسلطة أيضا ، لو تعلق الأمر بدين قديم . والنقطة الثالثة والواجب دحضها إطلاقا هي أن المركز وهو الشبيه بالفوروم forum كما يقول غرابار عن حكمة « 3 » ، لا يماثل المسجد لا من حيث المجال ولا من حيث الوظيفة ( وهذه فكرة أخذها عن لامنس . ( Lammens بل هو يتطابق مع الصحن كافة ، كما ذكرنا آنفا . وأخيرا فرأيه القائل إن المسجد ذاته بقي مدة طويلة خلاء ، أو إنه لم يصبح بناية قائمة إلا في العصر الأموي ، هو رأي صحيح ، إذا اعتمدنا بعض الإشارات الواردة في النصوص التي بين أيدينا ، وهو ليس كذلك حسب بعض الروايات الأخرى « 4 » . فما تقوله هذه النصوص فيما
--> ( 1 ) Grabar , « The Architecture of the Middle Eastern Cities from the past to present : The case of the Mosque » in Middle Eastern Cities , pp . 26 - 46 . ( 2 ) Ibid . , pp . 33 ff . ( 3 ) Ibid . , p . 34 . « عادة يسمّى هذا الميدان مسجدا وسمّي مصلّى مرّة واحدة » يقول غرابار ذلك بالاستناد إلى الخطوات الأولى التي قطعتها الكوفة والبصرة والفسطاط . ( 4 ) : Ibid . , p . 35 . « تحول المسجد إلى بناء بعد أن كان خلاء » . وكان ذلك بين 650 و 750 ، وهي المرحلة الثانية من تاريخ المساجد .