هشام جعيط

99

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

يتعلق بالكوفة ؟ تقول إن المسجد كان بدون أروقة على كل جوانبه ، قبل إمارة زياد ، باستثناء جانب القبلة . فكان ممكنا مشاهدة دير هند من الصحن ، وباب الجسر في اتجاه الفرات « 1 » ، وهذا يعني أنه لم تكن هناك جدران مرتفعة كفاية ، لكن لعله وجد سياج من قصب أو جدار صغير من لبن على أكثر تقدير . إن الطابع البدائي للمسجد أي انعدام البناء أو قلته ، نستدل عليه أيضا من أن سعدا هدمه بسرعة كبيرة ونقله إلى الجنوب قرب القصر ، بسبب سرقة بيت المال الذي كان ملحقا بالقصر « 2 » . أما عن تعليل عملية تقريب المسجد من القصر ، فهو أنه تقوم على المسجد حراسة تكون بالليل والنهار ، وأن حضور الحراس من شأنه أن يمنع تكرار مثل هذه الحادثة العارضة ، مما يفسر أن المسجد يلاصق القصر ، فشكّلا بنايتين متلاصقتين . وسيحتل الموضع الأولي للمسجد بعد ذلك جانبا من السوق ، ويكون من نصيب باعة الصابون والتمر . وهذا ما يفسر عبارة سيف في هذا المضمار الذي أراني أعود إليها : « فأول شيء خطّ بالكوفة وبني حين عزموا على البناء المسجد ، فوضع في موضع أصحاب الصابون والتّمارين من السوق » « 3 » . إن هذه المقولة عن تفتح المسجد ، وسرعة انتقاله بالفعل ، توجهنا إلى فكرة الخلاء غير المشيد ، ومن المعلوم أن المصادر تحدثت بخصوص البصرة عن مسجد مشيد بالقصب « 4 » . لكن ذلك لا يمنع ، لا محالة ، وجود قاعة مسقفة للصلاة ( وهذا هو المعنى الذي تؤديه كلمة ظلة ) تتجه إلى القبلة « 5 » - مع العلم أنها حادت عنها قليلا « 6 » - . إن المصادر التي بين أيدينا لا تتكلم إلا عن الصحن وتصفه بأنه صحن غير مسيج أو قليل التسييج ، مما يتيح الإشراف على الجسر ودير هند . لكن الأرجح أن هذه الظلة كانت موجودة منذ البداية ، وقد شيدت تشييدا خفيفا بالقصب وحتى باللبن « 7 » . وبعد أن وقع نقل المسجد ، وهدمه سعد ،

--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 47 . وجاء في روايات أبي مخنف المتعلقة بدير هند أنه يقع إلى الشمال الشرقي ، قرب الجسر بالذات : الطبري ، ج 6 ، ص 22 مثلا . والشابشتي صريح في تحديد موقعه بالحيرة : الديارات ، ص 224 - 245 ؛ وياقوت أيضا : معجم البلدان ، ج 2 ، ص 541 . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 46 : صار المسجد ملاصقا للقصر وكانت من قبل تفصلهما مسافة مائتي ذراع - 108 أمتار . ( 3 ) الطبري ، ج 4 ، ص 44 . ( 4 ) فتوح البلدان ، ص 341 ، على الأقل أثناء الفترة الأولى ، في عهد عتبة . ( 5 ) الطبري ، ج 4 ، ص 44 ؛ . Caetani , Annali , III , 2 , p . 858 . ( 6 ) بما قدره 170 درجة : الجنابي ، ص 144 ، الذي اعتمد التنقيبات الأثرية لعام 1938 . ( 7 ) في عام 16 أو 17 ه . بنى أبو موسى في البصرة المسجد باللّبن وغطاه بالقصب : فتوح البلدان ، ص 342 . -