هشام جعيط
97
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
كان قلعة أم لا . وهذا التقليد لا يمكن أن يقال عنه إنه بابلي أو هلنستي أو روماني أو ساساني ، إلا أن العرب استبطنوه قبل الإسلام وزاد استيعابهم له بعد أربع سنوات قضوها بالعراق ، منها سنة بالمدائن نفسها . لكن المدائن كانت حاضرة مشيّدة ، فلا تقدر على أن تكون أنموذجا في هذه المرحلة الأصلية ، على أرض خلاء . فإذا كان المشيدون الفرس الساسانيون كروزبه « 1 » حاضرين ، فلا يوجد سبب لاستبعاد حضور خبراء في التمصير معهم . والأهم من ذلك هو الدور الذي قام به بعض أشراف الحيرة في هذه المرحلة الأولى من ظهور الكوفة . فقد روى أن ما قدموه من نصائح كان حاسما لاختيار الموقع « 2 » . وكما تأكد في علم الآثار ، وخلافا لما ورد في المصادر الكتابية ، فإذا صح أن المواد والتأثير المعماري الذي جاء من الحيرة ، كان قليل الأهمية ، فإن البذل الحيري كان مهما على صعيد التصور المعماري . وهو ما يمكن أن نسميه اللحظة الحيرية في تاريخ الكوفة « 3 » . كان التصور الأولي عربيا إذا وتغذى بالزاد العربي الأولي كما تغذى بالتقاليد التمدينية القديمة الغامضة التي تسربت من قبل إلى شبه الجزيرة . ووجد أيضا وعلى الأرجح تأثير فارسي ، وهو يتلون بلون غرب بلاد الرافدين ، بمعنى أن بابل أثرت فيه . وكان للحيرة أخيرا دور الوسيط فنقلت نظرة معمارية مزدوجة تركبت من عناصر هلنستية وفارسية ومن بلاد الرافدين وعناصر عربية « 4 » . مما لا مراء فيه أن كل هذه العوامل مع إضافة التأثير اليمني « 5 » ، تضافرت لتنير سبيل المنشئين وتزودهم قبل كل شيء بصورة المساحة المركزية . هذا وإن الظروف الموضوعية التي كان يعيشها المهاجرون العرب يسرت الأمور . كانوا يمتلكون دولة عسكرية مركزية كانت تستلزم وجود مجال للقيادة ، ومكان لممارسة السلطة ، وهو أمر لم يكن معمولا به في مكة خلال العصر الجاهلي . وهم أيضا مكتسبون لدين ، كان جوهريا لوجودهم كأمة ، وهو يدخل في علاقة شبه عضوية بالقيادة السياسية العسكرية . لكن ، بما ان الإسلام حظر الخلط بين التجارة والصلاة ، فلن يكون المسجد معبدا متاجرا ، حسب التقليد العتيق ، وستتميز عنه السوق على الرغم من وقوعها في المركز « 6 » . وهكذا ندرك المستقبل الذي كان يترقب هذه البنية الثلاثية للنواة المدنية ، التي
--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 ؛ . Caetani , Annali , III , 2 , p . 860 . ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 275 . ( 3 ) محمد علي مصطفى ، مرجع مذكور ، ص 45 . ( 4 ) راجع في خصوص الحيرة صالح أحمد العلي ، مرجع مذكور ، ص 28 - 44 . ( 5 ) راجع بحثنا بعنوان « Les Yamanites a ? Kufa au 1 er sie ? cle de l'Hegire » في : JESHO , XIX , 2 , 1976 , . p . 177 . ( 6 ) Wirth , « Zum Problem des Bazars ( suq , carsi ) » , Der Islam , 51 ( 1974 ) , pp . 203 - 260 , et 52 ( 1975 ) , pp . 6 - 46 .