هشام جعيط

9

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الاستقرار العربي . وضعية العراق قبل الفتح العربي ساد الفرس على هذا البلد منذ ما يزيد على ألف سنة ، وكان قطرا معروفا بغرينه الثري ، واقتصاده المائي ، فكان حقا هبة دجلة والفرات . ورث الفرس نسق بابل للري في أساسه وقد ذكر الخطيب البغدادي أنهم لم يقوموا سوى بتحسينه فحفروا قنوات ثانوية ، لأن القنوات الرئيسية كانت سابقة لهم « 1 » . لكنهم طبعوا البلاد بطابعهم فكانت التقسيمات الإدارية وتقسيم الأراضي تحمل أسماء فارسية وكانت تنسب إلى ملوك الفرس ، ولا سيما الساسانيين منهم « 2 » . ولقد أقام الملك عاصمة ملكه كله في المدائن ( أو طيسفون ) . وكان عليه أن يعود صيفا إلى إصطخر المدينة المقدسة . والعراق بفضل ثرائه وموقعه الجغرافي ، وموارده البشرية وماضيه ، صار مركز الإمبراطورية الفارسية في العهد الساساني . ومع ذلك ، فقد ظل متميزا عن الموطن الاثني الأصلي - أي فارس ذاتها - حيث كان للشعب المهيمن جذوره العميقة . وبالفعل فبعد تجاوز الحد الشرقي من حلوان ، كان النجد الإيراني يشرف بكامل ارتفاعه على الأراضي السفلية لبلاد الرافدين . وقد لجأت فلول جيش يزدجرد إلى هذا المكان ، بعد أن طردها العرب من العراق . وكان الخط الفاصل بشريا بين الشعوب السامية « 3 » الناطقة بالآرامية ، من الأهالي الخاضعين أو النبط ، والشعوب الإيرانية وهي قوام السيطرة الساسانية ، كان هذا الخطّ يقع أسفل سفوح جبل زاغروس . ولكن على الرغم من أن العراق كان قطرا مفتوحا خاضعا مستغلا ، ولم يكن قطرا « قوميا » ، فهو مرتبط بالإمبراطورية إلى درجة أنه لوضاع العراق لضاع كل شيء ، كما دلت عليه الأحداث فيما بعد ، خلافا لما وقع في الشام وفي الإمبراطورية البيزنطية . لقد ميز العرب قطعا بين العراق -

--> ( 1 ) تاريخ بغداد ، ج 1 ، ص 57 . اقتبس المؤلف أخبارا عن الهيثم بن عدي بخصوص دور الأنباط في التشييد ولعلهم بنوا القنوات الكبرى لصراة ، وسورا ، ونهر الملك في حين أن الفرس لم يحفروا سوى كوثى ، والصراة الصغرى ، والنهروان . ( 2 ) قسم العراق في العهد الساساني إلى اثنتي عشرة ولاية ماليا وإداريا ، سميت أستان ، كانت ست ولايات منها تقع شرقي دجلة وتقع ست ولايات أخرى شرقي الفرات ومن أسمائها : شاد فيروز ، باجيزان خسرو ، شادبهمان ، أردشير بابغان ، بيهقباذ Le Strange , The Lands of Eastern Caliphate , pp . 79 - 81 . ؛ وصالح أحمد العلي ، « منطقة الكوفة » ، سومر ، 1965 ، المجلد 21 ، ج 1 و 2 ، ص 229 - 253 . Spuler , Handbuch der . Orientalistik , Brill , Leyden , 1959 , tII , 2 , p . 23 ff ( 3 ) راجع حول آثار اللغة الأكادية في المصطلحات التقنية للري العربي [ مسنّيتو الأكادية - مسناة العربية ] ما كتبه Armas Salonen في : Orientalia , XXXII ( 1963 ) , pp . 449 - 51 ; Bosworth , JESHO , XII / 2 ( 1969 ) , p . 154 .