هشام جعيط

10

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الذي اشتمل على الأهواز ، وخوزستان في الجنوب الشرقي - وبين فارس والجبال ، وأصر عمر على رفضه مهاجمة الفرس في بلدهم الأصلي ودام رفضه بضع سنوات . لكن الأمر الدال هو أن أهم ما في الجهاز الدفاعي الإيراني استقر بالعراق . ثم أن خط الدفاع ضد « البرابرة » القادمين من الغرب ، لم يكن موجودا في أسفل جبل زاغروس ، بل على مرتفعات الطّف ، وراء الفرات ، ومواجها للبادية العربية « 1 » . لا شك أن العرب ما انفكوا يتسللون في كل العصور ، من بلاد العرب إلى بلاد الرافدين . ولو اقتصرنا على المؤرخين العرب كالطبري والمسعودي ، لكان شعورنا أن محاولات الاستقرار التي قامت بها الجموع العربية تعود إلى عهد سحيق مع ملاحظة أن أولئك المؤرخين كانوا يخلطون بين القديم والحديث ، وما كان قابلا للتصديق وما لم يكن كذلك . روى الطبري « 2 » أنه وجد تجار عرب في بلاد الرافدين زمن نبختنصر الذي عاش في عصر معدّ بن عدنان ( كانت هذه المعاصرة أسطورية لكنها كثيرة الأهمية كعلامة ذهنية ) . وقد تلقى الملك من الرب أمرا بالقضاء عليهم ، لكنه بنى لهم حيرا ( معسكرا ) ثم تخلى عن هذه الفكرة ، فاستقروا عند ذلك في الأنبار « 3 » . وروى الطبري كذلك في موضع آخر ، أن العرب أقاموا بالحيرة والأنبار في عهد ملوك الطوائف أي زمن دولة الأرصسيديين . Arsacides وقد استفاد عناصر من تغلب وقيس وغطفان واياد ، كانوا تجمعوا في البحرين تحت اسم تنوخ الجامع لرايتهم ، ولعل عناصر من لخم والأزد انضموا إليهم ، استفادوا من انقسام الفرس ، فأقاموا غرب الفرات حسب خط متواصل يمتد من الأنبار إلى الحيرة « 4 » . وتقول المصادر أنهم حافظوا على شخصيتهم ، حيث كانت لهم شخصية مستقلة ثابتة بصفة خاصة . كانوا لا يسكنون إلا الخيام ، ولم يختلطوا بالأهالي ، وقد سمّي أولئك العرب المقيمون بالطّف بعرب الضاحية أي عرب الأطراف . على أن جميع العرب الذين أقاموا خارج شبه الجزيرة ، من الأبلّه إلى الشام مرورا بالجزيرة ، عاشوا عيشة مهمشة واتصفوا بصفات مشتركة وربطوا علائق قرابة وثيقة بينهم ، حيث كانوا محاصرين بين العالم العربي الداخلي والهياكل الإمبراطورية الخارجية . وما يدل على ذلك أن جمهرة ابن حزم « 5 » ، صنفت تنوخ ، وغسان ،

--> ( 1 ) لا سيما خندق سابور والحاميات الفارسية الموجودة بمنابع نهر الطفّ ، وفي عين الصيد وقطقطانة ، ورهيمة ، وعين جمل : البلاذري ، فتوح البلدان ، القاهرة ، 1933 ، ص 296 . ( 2 ) تاريخ الطبري ، ج 1 ، ص 558 . ( 3 ) لكن من المعلوم أن الأنبار أنشئت بعد ذلك بكثير من طرف سابور ذي الأكتاف : الدينوري ، الأخبار الطوال ، طبعة بيروت ، ص 48 - 49 . ( 4 ) الطبري ، ج 1 ، ص 609 . ( 5 ) الجمهرة ، طبعة القاهرة ، ص 461 .