هشام جعيط
86
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الكوفة ؟ لم يصل إلى علمنا شيء من ذلك . يبدو الخبر الذي أورده ياقوت دقيقا جدا ، فلا شك أنه مستمد من مصدر معين . على أنه غير مستبعد أن يكون ما تجمع من خبر عن البصرة قد أسقط على الكوفة ، وهو ما يوحي به كتاب فتوح البلدان عند الحديث عن اقتلاع الخصاص . وما لا يقبل الجدال أن ماسينيون اعتمد نصا متأخرا - هو نصّ ياقوت - انفرد بالخبر لرسم مسار الكوفة في أول عهدها ، باستثناء ما أمكننا الاطلاع عليه من وثائق . وبدا هذا الوصف مستندا إلى تحديد زمني لم يعد ثابتا تبعا لذلك . ولنكرر ما قلنا : الثابت في كل المصادر أنه تمّ استخدام القصب ثم اللبن ، ولا يمكن أن يكون هذا الأمر محل نقاش . وعلى النقيض من ذلك ، يتفق البلاذري والطبري على عدم التحدث بتاتا عن تفكك المعسكر عند بدء الحملة . ويأخذ كلاهما بعين الاعتبار التخطيط بمثابة الأمر الأساسي ، أي التصور الشامل المخطوط على الأرض ، الذي كاد يظهر بسرعة فائقة ، من أول وهلة ، مواكبا للبناء بالمواد الصلبة ، كما روى سيف بن عمر هذا الأمر . مشكلة المراحل حسب البلاذري وسيف بن عمر : إنّ لهذا النقاش أهميته كما هو واضح . ذلك أن الأمر يتعلق بالتحقق من وجود إرادة تمصيرية ظهرت منذ البداية ، وصدرت عن السلطة كما عن أهل الكوفة . ولنتساءل هل كانوا يشعرون بكنه مدينة جديدة ، وهل طرح على النظر مشكل الاستقرار ، في بداية الأمر ؟ ويطرح أيضا مشكل الموازاة بين الكوفة والبصرة . البلاذري : نبدأ باعتماد البلاذري . فقد ذكر روايات سبعا ، تهمنا منها مباشرة روايتان ، الأولى مقتضبة وهي مدنية ( عن الواقدي ) « 1 » ، والثانية مطوّلة وهي عراقية بصرية ( عن أبي عبيدة ) وكوفية ( عن هشام بن الكلبي ) « 2 » في آن واحد . وينسب الواقدي كل شيء إلى ما قام به
--> - مجددا صالح أحمد العلي ، « مصادر دراسة تاريخ الكوفة في القرون الإسلامية الأولى » ، مجلّة المجمّع العلمي العراقي ، 24 / 1974 ، ص 137 - 171 . ( 1 ) فتوح البلدان ، ص 274 ؛ : Caetani , Annali , III , 2 , p . 847 . أورد كايتاني رواية الواقدي من خلال الطبري وابن الأثير ؛ راجع أيضا صالح العلي ، مرجع مذكور ، ص 147 . لقد ألف الواقدي كتاب الفتوح ، وبقيت منه مقاطع : Fuat Sezgin , Geschichte des arabischen Schrifttums , Leyde , 1967 . ، الترجمة العربية ، القاهرة ، 1977 ، ج 1 ، ص 474 - 476 . ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 274 - 276 .