هشام جعيط

87

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

سعد في سنة 17 ه ، أي الاختطاط ، وتوزيع الخطط على القبائل ، وبناء المسجد . ولا يتحدث هشام بن الكلبي ولا من روى عنهم من أهل الكوفة « 1 » ، عن الخيام أو خصاص القصب . وهم يلحون على العملية الأساسية الأولى المتمثلة في تحديد مجال مركزي وقع برمي السهام ، ويضم المسجد والقصر . وخلف هذا المجال المحدد بعلامات جعلته منيعا ، وهب سعد خطتين كبيرتين ، واحدة لقبائل اليمن كافة في اتجاه الشرق ، والأخرى لمضر في اتجاه الغرب . وهما تظهران بمظهر المجموعتين الموحدتين ، لكنّ الخطط وزعت على القبائل في صلب كل مجموعة « 2 » ، ولم يجر الحديث عن البناء في هذه المرحلة . بل خلافا لذلك ، يحدونا الشعور أن المجال المركزي ، هو الذي يسميه غرابار Grabar « 2 » « الفوروم » Forum ، « 3 » قد وقع الاقتصار على تحديده . لكن هناك فراغا في الرّواية إذ هي تقفز إلى المغيرة وتنسب إليه توسيع المسجد ثمّ إلى زياد الذي ابتناه « 4 » . وتقترب هذه الرواية مما رواه ياقوت واعتمده ماسينيون ، لكنها تفترض فكرة التخطيط الفوري النهائي ، مع أنها لم تتحدث عن بناء المسجد قبل ذلك ، حتّى ولو كان باللبن . وتشير هذه الرواية إلى دور المغيرة ، وقد أكّدت على هذا الدور كذلك رواية ثالثة أوردها البلاذري ( عن المدائني ) ، فنسب إليه صراحة فضل بناء المسجد الذي لم يعمل زياد إلا على توسيعه . علما بأن المسجد هو ما يضفي الطابع العمراني على المدينة ، فإنه يمكن أن نستنتج من ذلك أن البناء بالمواد الصلبة ظهر في ولاية المغيرة . لكن هاتين الرّوايتين الأخيرتين توحيان بأن العمل كان منقوصا ، إذ كيف كان المسجد والقصر في ولاية سعد ؟ يصعب الإعتقاد أن الأمر يتعلق بمجرد مجال خال . لقد روى البلاذري نفسه أخبارا أخرى « 5 » ذكرت ما أحدثه محمد بن مسلمة بالكوفة ، وقد أرسله عمر لإحراق بوابة القصر الخشبي الشامخة التي كان الوالي يحتجب خلفها عن الرعية . فهل كان قصرا مبنيا من قصب وكان بابه من خشب ؟ « 6 » . لا نرجع ذلك ، وإلّا كان علينا رفض الرواية

--> ( 1 ) فتوح البلدان ، ص 274 يستعمل عبارة « منذ أبيه ( محمد ) ومشايخ الكوفة » . ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 275 : من المعلوم أن ياقوتا أورد في معجم البلدان ، ج 4 ، ص 491 ، هذه الرواية وسنرى أن هذا التسكين لليمنية شرقا والمضرية غربا ، لا يطابق التصور الخاص بالاستقرار الأول كما وصفه سيف ، ولا بالمتضمنات الأرضية لروايات الثورات التي جدت في القرن الأول الهجري . ويمكن على النقيض من ذلك ترجمة هذا الاستقطاب الثنائي عن وضع جديد نشأ في العصر العباسي حوالي عام 200 ه : راجع اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص 311 ، وقد ورد فيه تحديد لموقع مضر إلى الغرب ، ضمن تحركات القبائل . ولم يرو الرواية الثانية الكلبي وحسب ، بل أبو عبيدة معمر بن المثنّى أيضا : . Caetani , Annali , III , 2 , p . 847 ( 3 ) عند لابيدوس ، . Lapidus , Middle Eastern Cities , Berkeley and Los Angeles , 1969 , p . 34 ( 4 ) فتوح البلدان ، ص 275 . ( 5 ) فتوح البلدان ، ص 277 . هذا خبر جدي سنده يعود إلى أبي مخنف وهشام الكلبي . ( 6 ) هذا ما أكده بوضوح الخبر الذي رواه أبو مخنف .