هشام جعيط
69
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
والملاحظ على كلّ أن الإبل كانت حاضرة ، سواء اعتبرنا هذا الحضور بقية من بقايا الماضي أم لا . ولا يستبعد أنه أثر في قرار الانتقال إلى منطقة تشرف على البادية لأسباب نفسية أكثر منها اقتصادية ، كان التكيف مع الموقع أكثرها بداهة ، ذلك أن العرب لا يتكيفون مع مكان إلا إذا تكيفت معه مواشيهم . فكان موقعا بين البر « 1 » - عالم السباسب والصحراء - والريف - عالم البادية المزروعة ، المنظمة ، غير العربية ، الخاضعة « للبحر » ، بمعنى أن له وضعية الحدود فيسمح بمراقبة السواد دون أن ينفصل عن بلاد العرب . وتذكر المصادر أن استكشاف الأراضي شمل الفرات على امتداده ، وقد قام بالعملية سلمان وحذيفة بن اليمان ، سلمان من جهته وحذيفة « 2 » من جهته ، ذلك أن مواضع كثيرة قد تستجيب للشروط المقررة مسبقا ، وذكرت المصادر مرارا اسم الأنبار وهي الحاضرة التي أنشأها سابور « 3 » . وقد مر بها سلمان دون أن يتوقف ، وهذا ما ذكره سيف . وأقام سعد فيها مدة ، كما قال الواقدي ، وفيها تململ الجيش من كثرة الذباب « 4 » . الواقع أن الأنبار كانت تتمتع بموقع استراتيجي طيب : كان مدينة حدودية ، فضلا عن وقوعها بمدخل أول طريق مائية بين الفرات ودجلة . وقد أعدّ فيها السفاح بعد ذلك مقر إقامته . إلا أنها كانت حاضرة تقع فيما وراء الفرات ، بعيدا إلى الشمال في ظن المخططين ، وكانت مدينة قائمة الذات بمعنى أنها كانت مجمدة الهياكل ، في حين أن همة العرب تعلقت بالجديد ، أي أن رغبتهم في أن يشكلوا مجالا وفق مزاجهم ، لا أن يسكنوا إطارا مبنيا طبق مقاييس حضارية مغايرة . ويحتمل أنهم لم يريدوا حتى إنشاء مدينة ما خلال المرحلة التي وقفوا عندها . بل إن همّهم كان إقامة معسكر مفتوح ، كما جاء في توصية منسوبة إلى عمر « 5 » . حتى أنهم مالوا إلى اختيار أرض عراء بدل اختيار الأنبار ، أو سوق حكمة وحتى الحيرة . كانت الحيرة شديدة التوغل في البادية ولم يكن قربها من الفرات والسواد كافيا « 6 » ، لكنها كانت تقع بالخصوص تحت وطأة الماضي الذي أرادت العروبة
--> ( 1 ) المرجع نفسه ، ص 42 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 41 . ( 3 ) Le Strange , The Lands of the Eastern Caliphate , p . 66 . ؛ ياقوت ، ج 1 ، ص 257 . ( 4 ) فتوح البلدان ، ص 274 . ( 5 ) « المعسكر أجدى لحربكم » : الطبري ، ج 4 ، ص 43 . ( 6 ) لم يتأكد لدينا هل أن الحيرة كانت تقع إلى الجنوب الغربي من الكوفة العتيدة ، على طريق القادسية ، أو إلى الغرب تماما ، من جهة النجف الحالي ، وقد تضاربت المصادر في هذا الموضوع ، وسادها الغموض . حدد اليعقوبي ، فتوح البلدان ، ص 309 ، موقعها على طريق النجف ، وحدده ياقوت « على بعد ثلاثة فراسخ من الكوفة في مكان يقال له النجف » : ج 2 ، ص 328 . راجع أيضا الجنابي ، ص 197 ، وما بعدها ، وصالح العلي ، « منطقة الحيرة » في مجلة كلية الآداب ، بغداد عدد 25 ، 1962 ، ص 17 - 44 . انظر كذلك لاسنر ! Lassner , The Shaping of Abbasid Rule , Princeton , pp . 143 - 151 . ، الذي يميل إلى الاعتقاد بأن -