هشام جعيط
70
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الجديدة الانفصال عنه . ومع هذا فلا بد أن قربها قد لعب دورا في الاستقرار بموقع الكوفة ، وقد ورد خبر فريد لكنه مثير للاهتمام مذكرا بتدخل لبني بقيلة الذين أسدوا النصح لسعد حتى يختار موضع الكوفة « 1 » . تتحدث المصادر عن ذلك وكأنه اكتشاف . لكن سبق للعرب معرفة هذه المنطقة فضلا عن أنها وافقت التصور الذي أراده عمر وفرضه . كانت منطقة مأنوسة لديهم نظرا لما شنوه من غارات على الحيرة وضواحيها في البداية ثم لأن معركة البويب دارت فيها ، وقريبا منها دارت وقعة القادسية . لقد طرق العرب باب العراق من هذا المكان ، ومن هنا كان الممر الذي يسّر تسربهم . وما يمكن استخلاصه أن أيسر خط للمرور بين بلاد العرب والعراق كان يمر من هذا المكان ، وكذلك الأمر بخصوص عبور الفرات الأوسط وبلاد بابل كافة . إن موقع الكوفة يمثّل نقطة اتصال كما نقطة التقاء بين عالمين وهو ينفتح على الأمداد العربية القادمة من الصحراء ، ويشرف على السواد مع كونه متأخرا عنه . تلك كانت وضعية الكوفة . وبما أن العرب فضّلوا تجميع الأمة ووقفوا ضد الانبثاث في السواد ، فقد كان منطقيا نسبيا تحديد هذا الموقع المهمش الحدودي الخارج عن المركز ، مع أنه كان موقع اتصال . وهم سيقومون بحركة معاكسة في اتجاه الشرق ، بغرض إنشاء واسط أولا ، ثم بغداد ، لكن بعد أن استوثقوا تماما من المجال العراقي ومما يليه من بلاد فارس . لقد فعلت الظروف المناخية فعلها بخصوص انتقال الجيش ، فوجب على موقع الكوفة أن يكون صحيا . كانت الكوفة تقع في المكان الذي يدلع البر لسانه « 2 » في الريف المروي ، في موضع متقدم من البرّ إذن ، على سطح يقع فوق شاطىء الفيضان للفرع الرئيسي للفرات في ذلك العصر ، على ارتفاع يناهز 22 مترا من مستوى البحر « 3 » . ويرتفع الموضع فوق النجاف غربا ، الذي كان بمثابة الحوض المالح ، وقد كان أصله محل نظر عند الجغرافيين العرب « 4 » ، وكذلك فوق البطائح جنوبا التي كانت تمتد حتى البصرة « 5 » ، وهذه البطائح عبارة عن مساحة غارقة في الماء حيث ينبت القصب والحلفاء . وأرض الكوفة مزيج من الحصباء
--> - الحيرة هي مجموعة قصور ومواضع مشتتة ممتدة أكثر مما هي مدينة مجمّعة . ( 1 ) فتوح البلدان ، ص 275 . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 42 ؛ ابن قتيبة ، عيون الأخبار ، ج 1 ، ص 218 ؛ Massignon , « Explication du plan du Ku fa » , Opera Minora , III , p . 37 ( 3 ) الجنابي ، ص 32 . ( 4 ) المسعودي ، مروج الذهب ، ج 1 ، ص 119 . ( 5 ) ابن رسته ، الأعلاق النفيسة ، ص 94 ، الذي يجعل البطائح تبدأ من كسكر لا من جنوب الكوفة كما يرى ذلك لاسترانج . Le Strange