هشام جعيط
68
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
يجد « دار هجرة » لا يفصلها البحر ( بمعنى النهر ) عن المدينة « 1 » أي أن يبقى الاتصال المكاني ببلاد العرب قائما . لكن الإشارة إلى الأسباب المناخية كانت هي الواردة في كل الروايات الأخرى . ولنأخذ على ذلك مثل الطبري : تستند كل الروايات الخمس المذكورة بخصوص الإنشاء ، ومن بينها أربع روايات رواها سيف وخبر واحد رواه أبو عوانة ، إلى مشكلة المناخ « 2 » . ولم يزد البلاذري عن كونه حوّل المكان الذي انطلق منه المشكل المناخي ، فلم يحدده في المدائن بل في المواقع المختارة مؤقتا بالأنبار وسوق حكمة « 3 » . لا بد أن المشكل كان واقعا . إذ بعد أربعة عشر شهرا من الإقامة في المدائن تخللتها عمليات جلولاء وحلوان وسواد دجلة ، ظهرت علامات التعب على العرب فلم يتكيفوا مع المناخ واعتبروه مضرا بصحتهم ، ومتعفنا ، ووخيما « 4 » . وكانت الحشرات تنهال على الجمال وتوجعها . فصار واضحا أن موقع المدائن المائي لم يناسبهم . كان موقعا غطته القنوات ، فكان نديّا على الرّغم مما امتازت به مثل هذه المدينة المشيدة المنظمة من الميزات . وقد صار مؤكدا أن ضرورة التكيف مع المحيط الطبيعي لا مناص منها في كل المواقع التي استقر فيها العرب . فأدى ذلك إلى اختيار الفسطاط بدل الإسكندرية ، والقيروان بدل قرطاجة . تلك كانت الضرورة الطبيعية التي أملت على العرب اختيار موضع الكوفة على مشارف الصحراء دون شك ، فأثر ذلك الاختيار بدوره على الخيارات القادمة ، وسن سنّة . وعندي أنّ اختيار الموضع أملته أيضا خيارات سياسية واستراتيجية وثقافية . لقد كان لتعليمات عمر دور جوهري في هذا الاختيار ، وهو الذي ينسب إليه هذا القول : « إن العرب بمنزلة الإبل لا يصلحها إلا ما يصلح الإبل « 5 » . فهل كان قوله هذا تعبيرا عن تصور رعوي للوجود العربي في العراق وكامتداد لوجودهم في بلاد العرب ، وكيف وقع أن المقاتلين العرب في المدائن وجلولاء قد اصطحبوا إبلهم ؟ تثير هذه العبارة مشكلا متشعبا هو : استقرار العرب ، وتراكب الأنماط الحياتية السابق منها واللاحق ، وآثار الحياة الرعوية أو الإرادة العنيدة في المحافظة على نمط العرب الحضاري ، رغم أنهم كانوا محمولين على تقمص دور آخر هو دور المجموعة الإمبراطورية المقاتلة المقامة على توزيع المال المقتطع من الأهالي الأصليين . ستكون لنا عودة إلى هذا الموضوع .
--> ( 1 ) فتوح البلدان ، البلاذري ، ص 274 . ( 2 ) التاريخ ، ج 4 ، ص 40 وما بعدها . ( 3 ) فتوح البلدان ، ص 274 و 275 ؛ الطبري ، ج 4 ، ص 41 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 40 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ص 41 ، نقلا عن خبر لأبي عوانة ، وص 42 عن رواية لسيف .