هشام جعيط

60

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

سيف هذه الصلة لكن لا يمكن موافقته على تأريخ ذلك في سنة 15 « 1 » . وهو بهذا يناقض نفسه لأنه يعيد الكلام في الأمر بعد حرب جلولاء « 2 » فيفصّل لنا أوامر عمر الجديدة ومقرراته بخصوص الفيء والجزية والخراج الخ . . . على أن أخباره ثمينة المحتوى . إن الروايات العراقية الأكثر قدما وهي روايات مجالد والشعبي جاء بها تأريخ تأسيس الديوان بآخر سنة 17 ، أي بعد إنهاء فتح الشام والعراق ، وبعد جباية محاصيل الخراج الأول « 3 » ؛ أما الروايات المدنية كما جاءت عند الواقدي والزهري ، فقد اقترحت تاريخ محرم سنة 20 / 640 « 4 » . الواقع أن هذا الخلاف يفسر كثيرا من الأمور . إن الديوان كسجلّ لتسجيل أسماء مستحقي العطاء ، عملا بالترتيب الذي تصوره عمر الذي انطلق من المغامرة الإسلامية بأكملها منذ وقعة بدر ، كوثيقة ضبطتها وحددتها الكتابة ، والديوان كمؤسسة لنسق توزيعي عام ، تقرر إنشاؤه على الأرجح سنة 20 / 640 . لكنه بهذه الصفة كان امتدادا معقلنا للاختيارات التجريبية التي جرت في البلدان المفتوحة فور الفراغ من القتال ، أي في سنة 17 / 638 ، بعد أن استقرت الأمور ، بحيث كان صعود من أسفل إلى أعلى ، لا العكس . وهذا ما يفسر أن البلاذري قسم إلى فصلين متميزين الأحكام التي يخضع لها السواد ومؤسسة الديوان ذاتها « 5 » . وقد فعل ذلك كبار الفقهاء ، منهم أبو يوسف « 6 » وأبو عبيد بن سلّام « 7 » . فأصبح الديوان الكتابي عملا منسجما جاء بعد الوضع الناشئ عن القرارات الحية ، وشمل بالخصوص النخبة الإسلامية بالمدينة وأقرها على رأس النسق . فما هي هذه الاختيارات الأساسية بالنسبة للعراق ؟ يعتمد قسم من جملة المواد التي وصلتنا على الظروف التاريخية السائدة في ذلك العصر - نعني رواية سيف والأخباريين - ووقف قسم آخر موقف الفقهاء ، فقدم الأمور تقديما منطقيا إسلاميا . ولا يوجد أي سبب لرفض رواية دون أخرى إذ لو عمل عمر طبق تصميم سياسي قبل غيره ، فلا يتصور كيف أنه فعل ذلك متجاهلا تعاليم القرآن التي حددت أعمال الرسول . ولنترك جانبا المدن القليلة التي تمتعت بعهد وكانت مدنا ثانوية تماما ، علما أنها فسخت

--> ( 1 ) الطبري ، ج 3 ، ص 616 - 619 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ج 4 ، ص 31 - 33 . ( 3 ) فتوح البلدان ، ص 435 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ص 436 . ( 5 ) وضع جلولاء مباشرة ضمن الفصل المتعلق بفتح السواد ، ص 265 - 274 ، والديوان في آخر كتابه ، ص 435 - 451 . ( 6 ) أبو يوسف ، كتاب الخراج ، على التوالي ، من ص 23 إلى ص 39 ومن ص 42 إلى ص 47 . ترتبط مؤسسة الديوان في هذا الصدد بفكرة العطاء لصحابة الرسول . ( 7 ) كتاب الأموال ، طبعة القاهرة ، ص 57 وما بعدها وص 223 - 227 .