هشام جعيط

61

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

هذا العهد لا محالة ، حين تراجع العرب مؤقتا ، فمنح العهد من جديد لبعض المدن . إن فتح العراق وقع عنوة على حساب سيد قديم - الملك الساساني ومن والاه - لكن أكثر الأشخاص العائشين في العراق كانوا غير إيرانيين ، كانوا أنباطا كما سموا في اللغة العربية وكانوا من الساميين الآراميين . وقد أرغموا منذ ألف سنة على البقاء في وضع الفلاحين يدفعون الطسق أو الخراج والجزية : كانوا من المزارعين والعمال والفلاحين ، فشكلوا عامّة الأرياف الضخمة التي قدر عددها ب 550000 شخص ، حسب تقدير عثمان بن حنيف الذي أحصاهم وختم عليهم كما روي « 1 » . وبذلك كان في العراق صنفان من الأراضي : أراض كانت على ملك التاج وكبار الملاك الإيرانيين الذين حاربوا العرب ، وأراض استقر فيها أكثر الفلاحين في البلاد بإشراف الدهاقين . وقد استولى الجيش العربي على الصنفين ، لأن عددا كبيرا من الفلاحين فروا أمام تقدم هذا الجيش . وحسب السنن العربية للحرب فالأرض والرجال « 2 » تعتبر غنيمة يقتسمها المقاتلة . وورد ذلك أيضا في تعاليم القرآن الذي ينص على أن كل ما أخذ عنوة يعتبر غنيمة تسلم أربعة أخماسها إلى المقاتلة والخمس الباقي يسلم إلى اللّه ورسوله أي إلى الخليفة « 3 » . ويحدد القرآن الفيء كهبة من اللّه لم يكن من اللازم أن يحصل قتال من أجله ولذا فهو يعود كاملا إلى اللّه ورسوله « 4 » . ومن المعلوم أن النبي استولى على أموال بني نضير لمساعدة المهاجرين المعوزين إذ اعتبرها فيئا « 5 » . فحلّ التقسيم كان يبدو حتميا إذن في العراق لكن عمر اختار عدم التقسيم . فثار نقاش كبير في المدينة حول هذا الموضوع : تمسك عبد الرحمن بن عوف وبلال خاصة تمسكا شديدا بمبدأ التقسيم ، وعارضه عمر ، وكان علي أول المؤيدين له ، وكذلك طلحة ، وعثمان ، وعبد اللّه بن عمر ، ومعاذ بن جبل « 6 » . ولجأ الخليفة إلى تأويل اجتهد فيه شخصيا لإحدى آيات سورة الحشر تعلقت بالفيء فتعرضت لأوضاع المهاجرين والأنصار ، وجاء فيها بعد ذكر هؤلاء ما يلي : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ فاعتبر عمر أن الآية تقصد الأجيال القادمة « 7 » .

--> ( 1 ) فتوح البلدان ، ص 270 ؛ يبدو أن سعدا لم يجد سوى 000 ، 130 وراء دجلة بعد جلولاء : الطبري ، ج 4 ، ص 30 . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 30 . روي أن نصيب كل مقاتل كان ثلاثة رجال . ( 3 ) لا يميز القرآن بين الأموال المنقولة والعقارية ، سورة الأنفال ، الآية 41 ، بل عمر هو الذي ميز بينها . ( 4 ) سورة الحشر ، الآية 6 إلى 10 . ( 5 ) سيرة ابن هشام ، ط 1276 ه ، ص 652 وما بعدها . لكن كلمة فيء لها أيضا معنى أعم يدل على الغنيمة . ( 6 ) دار النقاش أساسا بخصوص الشام ، لكن أيضا في شأن العراق : أبو يوسف ، كتاب الخراج ، ص 26 ؛ أبو عبيد بن سلام ، كتاب الأموال ، ص 59 - 60 . ( 7 ) لكن مثل هذا التأويل الذي استهدف اقحام المهاجرين والأنصار والقادمين الجدد بفيء بن نضير ، تأويل غير صحيح بداهة لأن الأنصار وغيرهم أقصوا عنه : ذكرهم القرآن محرضا إياهم على إخراج ما في قلوبهم من -