هشام جعيط
59
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
فتوحات المدائن لسنة 16 ه ، خلافا لمزاعم سيف . ولم يبق إلا حلوان التي تطرح علينا مشكلا . يعني كل هذا أن العرب ركزوا جهودهم بعد وقعة القادسية على طرد الساسانيين فقط ، وإخضاع وادي دجلة والفرات دون التقدم خلف ذلك الخط سواء في اتجاه الجزيرة أم في اتجاه الأرض الإيرانية . وتوارت الغاية العسكرية لصالح قضايا التنظيم والاستقرار ، كما أن اختيار الكوفة بالذات بدل المدائن كمركز للسكنى ينبئ بالرغبة في الوقوف عند حد المواقع المكتسبة . تنظيم السواد : لن يتم إنشاء الكوفة قبل نهاية سنة 17 ه وبداية سنة 18 « 1 » ، أي بعد أربعة عشر شهرا من احتلال المدائن « 2 » ، وبعد سنة من انتصار جلولاء بحيث أن سنة 17 بقيت سنة استراحة وتفكير وتنظيم . لقد تحول عمر إلى الشام في سنة 17 ه ، لكي ينظم أوضاع المقاتلة « 3 » ، ويحل مشاكل الدفاع والاستقرار والأعطيات ، لكن هل قام بذلك بالنسبة إلى كل الأقطار المفتوحة بما فيها العراق ، عند تحوله هذا ؟ لا تؤيد النصوص ذلك بل هي تقول العكس ، بمعنى أنه تمّ فضّ المسائل المعلقة بالشام ولم يفض سواها « 4 » . وعلى النقيض من ذلك يحثنا الوضع العام على الاعتقاد بأن التشاور المستمر بين عمر وسعد خلال عام 17 ، أدى إلى إعداد وضبط النظام الشامل الذي سيخضع له العراق « 5 » . فبعد أن تبلور الوضع ، تحول أكثر الجيش المعسكر بالمدائن إلى الكوفة العتيدة . ولا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك ، لأن الاتجاه إلى اختيار تمركز الجيش بمعسكر ارتبط باختيارات مسبقة أخرى هي : عدم اقتسام البلاد المفتوحة بقوة السلاح ، وإبقاء الفلاحين على أراضيهم والاستمرار في العمل بالهياكل الجبائية الساسانية ، والعمل بفكرة تسديد نفقات المقاتلين بواسطة العطاء . كما أن الصلة واضحة بين هذه الاختيارات الأولى التي جدّت في البلاد المفتوحة عملا برأي عمر ، والانشاء المركزي العام للديوان ، وقد أدرك
--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 42 ، قد اعتمد خبرا أورده الواقدي ؛ البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 274 ؛ Caetani , . Annali , III , 2 , p . 813 - 33 ; Chronografia . . . , I , p . 199 . أرّخ سيف إنشاء الكوفة في بداية سنة 17 ، وهذا تاريخ غير مقبول : الطبري ، ج 4 ، ص 40 . ويبدو لنا أن آخر سنة 17 أكثر اقترابا من المعقول من بداية سنة 18 وهو التاريخ الذي أخذ به شعبان ، انظر : . Shaban , Islamic History , p . 51 . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 42 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 59 . لم يتجول عمر إلّا مرة واحدة في هذه السنة ، بسبب انتشار الطاعون . ( 4 ) المرجع نفسه ، ج 4 ، ص 64 . ( 5 ) البلاذري ، ص 266 - 268 ؛ الطبري ، ج 4 ، ص 30 - 32 .