هشام جعيط

58

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

يتحدث عن وجود وال عربي بحلوان في موضع آخر من كتابه « 1 » . وعلى النقيض من ذلك ، تنسب روايات ملحّة إلى عمر رفضه رفضا تاما المساس بأرض فارس ، معبرا عن عزمه على الاكتفاء بالسواد « 2 » . ويبدو جيدا ، فضلا عن ذلك ، أن المقاومة الفارسية هدأت وسبب ذلك قد يرجع إلى أن الفرس حصلوا على تطمينات من جانب العرب بالتوقف عند حدود العراق . لكن حلوان كانت توجد في إيران . فهل أفهمهم العرب ، وهل فهم الفرس أن ذلك الأمر يشكل استثناء يعود إلى موقع حلوان وضرورتها لحماية العراق من وجهة نظر العرب ؟ فالدينوري يقدّم وجود العرب بحلوان والأهواز على أنه السبب في الرد الفارسي الذي مهّد لتحرك الهرمزان كما لمعركة نهاوند « 3 » ، لكن العمليات العربية في الأهواز لم تبدأ إلا سنة 17 ه . وهي تنتهي سنة 21 / 642 بالاستيلاء على تستر . أم هل وضع الجيش العربي يده على حلوان ضمن عمل منفصل متأخر بالنظر لمعركة جلولاء وربما بعد الاستقرار بالكوفة ؟ يبقى السؤال بدون جواب . وتتضح الأمور أكثر بخصوص شرقي الجزيرة لأن رواية سيف غير قابلة للتصديق . يريد سيف حملنا على أن نصدق أن الجيش العربي انقسم نصفين في المدائن ، فاتجه قسم منه إلى جلولاء واتجه قسم آخر إلى شرقي الجزيرة ، ولا سيما الموصل التي وقع اقتحامها والاستيلاء عليها سنة 16 ه « 4 » . ويكون هذا القول في رأي هيل بمثابة التعويض بالنسبة للكوفيين الذين بقوا في الواقع في حالة فراغ طيلة أربع سنوات و « لم يحاولوا فتح الجزيرة الشرقية رغم خلوها من العوائق الطبيعية وفراغها من قوات معادية » « 5 » . ذلك أن الجزيرة فتحت في جزئها الغربي خاصة الذي كان أكثر ثراء ، انطلاقا من الشام سنة 19 ه . ولم يستول عتبة بن فرقد القادم من العراق ، على الموصل وتكريت إلا سنة 20 ه ، مع أن هرثمة بن عرفجة الذي كان أحد الشاميين الذين شاركوا في فتح الجزيرة بصحبة عياض بن غنم هو الذي تولى تخطيط الموصل « 6 » . وستقع هذه المدينة في فلك الكوفة ، لكن يمكن القطع بالقول إن إخضاعها لم يقع إثر وقعة جلولاء . فلا يمكن إذن إدراج الموصل ، وقرقيسيا ، ومن باب أحرى ماسباذان - التي استولى عليها أبو موسى بعد نهاوند « 7 » - ضمن

--> ( 1 ) فتوح البلدان ، ص 329 : المقصود هو عزرة بن قيس البجلي بالذات . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 28 . ( 3 ) الأخبار الطوال ، ص 219 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 35 - 36 . ( 5 ) Hill , ouvr . cit . , pp . 94 - 97 . ( 6 ) فتوح البلدان ، ص 327 - 328 . ( 7 ) المرجع نفسه ، ص 304 - 305 .