هشام جعيط
44
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
به وقتل . كان النصر العربي كاملا . أما ما يثير الاستغراب في الجانب الفارسي فهو اتساع الانهيار أكثر من الهزيمة ذاتها ، وما لحق الفرس من تقتيل وقد تشتتوا شذرا مذرا ، واستسلموا ، وهو ما لم يكن متوقعا بعد صلابة المقاومة الفارسية التي استمرت ثلاثة أيام وليلة . 4 ) تفسير وقعة القادسية ودلالتها : فتح النصر في القادسية طريق العراق للعرب ، العراق الذي يجب اعتباره الآن مفتوحا ، بعد القضاء على القوة العسكرية الفارسية . وقد تضمن هذا النصر على المدى المتوسط بذور نهاية الإمبراطورية الساسانية وغزو فارس ذاتها وإخضاعها . ويعترف كايتاني أن نتائج معركة اليرموك كانت أقل أهمية من نتائج معركة القادسية لكنه يجادل في أن يكون لهذه المعركة صبغة درامية . قال : « كانت القادسية معركة ناجحة في يوم واحد ، وكانت اليرموك الخلاصة والأزمة القصوى لحملة طويلة شاقة استمرت ثلاث سنوات » « 1 » . ومن المؤكد كما أسبقنا أن الشام اكتسبت أهمية أعظم من العراق ، في مسيرة الفتح العربي ، وأنها استقطبت القدرة العسكرية لدولة المدينة ، بمعنى تلك القوة الضاربة التي أنشأها الرسول ، ثم طورها أبو بكر وعمر . وخلافا لذلك ، جرى اللجوء دوما إلى قوات قبلية فرعية ، في خصوص العراق ، كانت مستقلة نسبيا . ويحتمل أيضا أن بيزنطة اعتبرت في بداية الأمر الخطر الأساس الذي كان يستوجب أسرع رد ممكن ، وأكثره تنظيما وتواصلا ، كما اعتبرت الشام امتدادا طبيعيا لبلاد العرب . وهو ما يفسر استمرار الجهد المبذول وتماسكه بالنسبة لجبهة الشمال . لكن لا يعني ذلك إطلاقا أنه تمّ استنقاص الفرس من الوجهة العسكرية . ومن المعروف أن العرب ترددوا في الهجرة إلى العراق ، وقد مر معنا ما كان من خطورة الهزيمة التي مني بها العرب في معركة الجسر ، وهي الوحيدة التي ألحقت بالعرب والتي كان لها مثل تلك الأهمية . وتدل الأخبار الكثيرة التي وردت في المصادر على الشعور بالنقص الذي انتاب العرب أمام القوة الفارسية ، وقد وجب التغلب على إحباط نفسي حقيقي لمواجهتها « 2 » . كانت وقعة القادسية كوقعة اليرموك تتويجا لعمل دام ثلاث سنوات . وليس لها أن تكون نصرا يسهل قطفه إلا إذا أخفق الفرس في تنظيم أمورهم من جديد ، ولم يجر الأمر على ذلك النحو . كانت حقا إمبراطورية بكامل مواردها وتنظيمها ، وتقاليدها العسكرية
--> ( 1 ) Caetani , Annali , III , 2 , p . 659 . ( 2 ) الطبري ، ج 3 ، ص 484 - 485 . كان « الأسد » لقب الفرس وربيعة - نعني بها بكرا - كانت تلقّب بربيعة الأسد لأنها كانت الشريك الأكبر ، في الحرب ، للساسانيين . واستمرت حتى صفين الفكرة القائلة إن لربيعة خبرة كبيرة في الحرب .