هشام جعيط
45
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
تلك التي واجهت الفتح العربي في القادسية . صحيح أنها كانت إمبراطورية في حالة ضعف عميق ، لكنها استردت استقرارها مؤقتا ، وكانت قائمة الذات عند وقعة القادسية . ويعني ذلك أن الأمر لم يتعلق في شيء بغارة موفقة بل إن المعركة كانت جدية ، درامية ، وكانت بمثابة المأساة إلى أعلى درجة في نظر المهزومين . كانت درامية بالنظر للمقاتلين لأن نتيجتها كانت محل شك . لكن مشكل المناعة العربية مطروح على المؤرخ لكثرة ما اعتبر طبيعيا أن العرب لا يمكنهم إلا أن ينتصروا . توخى العرب تجاه خصومهم كافة سلوك انتصار محقق ، ولم نعد في حاجة إلى تعليل جانب كبير من ذلك . إنها قضية تاريخية ، لكن يمكن عرض بعض العناصر في وضع القادسية بالذات . لقد جمع الجيش العربي بين خاصتين : كان من الصنف البرابري ، وكان أيضا جيشا منظما تنظيما قويا لا محالة ، كان جيشا - شعبا وجيش مهاجرين ، وقد تألّف من محاربين مالكين لأسلحتهم ، نعني نخبة القبائل ، فضلا عن أنهم كانوا من المتطوعين . وكانت تحرك هؤلاء الرجال رغبة واضحة في الفتح : ليس إرادة لتوسيع إمبراطورية ما ، بل صورة ملحة للعيش الأفضل . وكان جيشا من النوع البرابري أيضا ، لأنه واجه شعبا بامبراطورية ، وكان ذلك الشعب قليل السلاح ، لكن كانت له دوافع نفسانية فضلا عن وجود القوة التعبوية للإسلام وندائه الموحد ، ووجود سياسة منسّقة ، ومسعى عقلاني . قلنا إنه كان غزوا من الصنف البرابري لا شعبا برابريا ذلك أن ما يلفت النظر في الروايات التي وصلتنا لم يكن من شكيلة الجسارة اللّاواعية ، بل هي الشجاعة المكتسبة والمزج بين روح المبادرة والانضباط ، وفوق كل ذلك وجود تقاليد ثقافية وتقاليد عسكرية . لا شك أن البعد المعنوي وهو الأيسر على الإدراك كان الأكثر حسما لتعليل الانتصار . وفوق ذلك ، يبدو أن العرب أقاموا استراتيجية عسكرية جديدة . كان تجهيزهم أخف ، وكانوا أكثر حركة تجاه جيش قوي لكنه ثقيل ، وقد مرت بهم أيضا تجربة حروب الردة وما حصلت عليه بكر ثم بجيلة من ممارسة حربية ثمينة خلال فترة الأيام إضافة إلى خبرة القعقاع ورجاله . ولا نعلم إلا القليل عن تنظيم الجيش العربي ، لكن هل آل تنظيمه إلى الرفع من قدرته على التنقل والفعالية من الوجهة التكتيكية ؟ ودور الفرسان أيضا ؟ كل هذه الأمور تستوجب التوضيح . حقيقة الأمر أن هذا الفن العسكري شهد تطورا حاسما بدفعة من النبي ، خصوصا على مستوى التعبئة أي تنظيم الجيش القتالي أو قبلها « 1 » . لقد كانت الحرب مقامة في
--> ( 1 ) المؤسسة العسكرية ، بيروت 1977 ؛ عبد الجبار محمود السمرائي ، « تنظيم التعبئة عند العرب » ، المورد ، مجلد 12 ، عدد 4 ، 1983 ص 7 - 15 .