هشام جعيط

393

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

القروية والانضمام إلى النظام العشائري العام . ب ) الدليل المضاد هو أن البصرة ، التي لم يكن لهذه العناصر من وجود فيها ، تمدّنت بأسرع من الكوفة ، وذلك بحسب ما يقول ماسينيون نفسه « 1 » . يمكن الاعتراض أيضا بالقول إن التخطيط ( وهو قرار الاستقرار والبنيان ، أي النقل العملي لما كان مرسوما على الورق من ترسيمة عمرانية إلى الأرض ؛ وتوزيع المواقع والحصص على القبائل ) كان من عمل قادة قريش وثقيف الذين انتدبتهم قيادة المسلمين في المدينة ثم الخليفة الأموي في الشام ، كما أن عمليات البناء الفعلية في المدينة ، كانت تجري تحت إشراف مباشر من زياد ، وهو الآخر من ثقيف ، وكان فضلا عن ذلك مطلعا على المهارات الفارسية في هذا المضمار . فإذن ، إن فرضية ماسينيون ، لا تثبت أمام النقد ، ويصبح أكثر عقلانية إسناد هذا الدور التمديني إلى النخب السياسية القرشية والمدينية والثقفية ، وربما أيضا لبعض عناصر من ربيعة ( إياد ، عبد القيس ، بكر ) ولبعض عرب الضاحية ( العربية - الفارسية ) . أما التنفيذ العمراني الفعلي فقد تمّ تحت تأثير فارسي - بابلي ، كما تدلّ حكاية بناء مسجد الكوفة على يد زياد ، « 2 » وكما يدل أيضا استخدام الآجر المشوي ونمط العمارة العربية في العراق فيما بعد . من الواضح أن الوجود الكثيف لليمنيين في الكوفة حال دون أن يكون لهم تأثير على الصعيدين المعيشي والحضري للمدينة . ويقضي المنطق أن نبحث عن أدلة لهذا التأثير في ما هو كوفي مخصوص . ولكن من البديهي ألا يكون هناك سوى فرضيات . ليس من شك في أن اللبن ، وهو الآجر المجفف الذي يقطّع ويرقّق ، وبنيت به المدينة كلها ، في المرحلة التي أعقبت مباشرة مرحلة الإسلام الأول « 3 » ( حيث لم يكن هناك إلا أكواخ من القصب ) ، كان من أصل عراقي بحت . وإذا كان ما يزال اليمنيون يستخدمونه إلى يومنا هذا في بناء منازل عالية وجميلة ومتينة فبتأثير من العراق « 4 » . ومعلوم أن الكوفة كانت تحوي جبانات

--> ( 1 ) شرح تخطيط الكوفة ، في Opera Minora , III ، حيث يقول ( ص 41 ) : « ويمكن الاعتراض بالقول إن البصرة كانت ، هي الأخرى ، مصدرا من مصادر هذه الثقافة » ، وفي ص 39 : « وفي النهاية ، بنيت البصرة بأسرع بكثير مما بنيت الكوفة . . . في حين أن الكوفة تتيح لنا أن نتابع عملية التّمدّن عن كثب » . ( 2 ) البلاذري ، فتوح ، ص 276 . ( 3 ) الطبري ، 4 ، ص ص 43 - 44 . ( 4 ) شاهدنا عينات منها في صنعاء وفي عتق . ولربما كانت الأكواخ ، هي الأخرى ، من أصل يمني .