هشام جعيط
394
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
ورحبات يبدو أن البصرة كانت لا تعرفها . ترجم ماسينيون جبانة إلى الفرنسية ب cimetie ? re أي مقبرة بمعناها الشائع المعروف ، لكنه يضيف قائلا إن الجبانة كانت أيضا « مساحة واسعة خالية من الأبنية تستخدم للعرض العسكري والخطابات » . وفي الواقع ، تذكر المراجع أنها كانت ت ، ستخدم لدفن الموتى ولكن نادرا وبإيجاز « 1 » . خلافا لذلك ، تكثر الإشارات إلى الاجتماعات السياسية والنزاعات والتحشيدات العسكرية التي كانت تحدث في الجبانات . ثمة احتمال كبير في أن تكون هذه السمة المميزة لطوبوغرافيا الكوفة مأخوذة من اليمن ؛ فالجبانات التي ما زالت قائمة في بعض مدن اليمن كصنعاء ، ليست مقابر ، بل هي مساحات مسوّرة ، مزوّدة بمحراب وتقع مباشرة خارج السور ، وتستخدم كمصلى في المناسبات الكبرى ، كما تستخدمه القبائل لاستعراض قوتها القتالية . كان في اليمن القديمة رحبات ( جمع رحبة ) أي ساحات مركزية وسط المدينة « 2 » . والجذر ( ج ب أ ) في النقوش والمدوّنات يعني ، في جنوب الجزيرة ، « ردّ » و « استردّ » ، ويعني جمع وتجمّع في لغة الغا ؟ ؟ ؟ ز gue ? ze ( ويستخدم أيضا بمعنى جمعية ، جماعة ، مجتمع ) « 3 » . هذه الجبانات والرحبات التي يكثر وجودها في الكوفة ، أضفت على المدينة شكلا طوبوغرافيا خاصا . وكان لها دور مهم جدا في اللحظات التاريخية التي عرفتها الكوفة ، فكان لها ، في الجملة ، وظيفة اجتماعية وسياسية في آن معا . هذا مثال نسوقه لإظهار التأثير الذي كان للتقاليد اليمنية في تمدين الكوفة « 4 » . في ما عدا ذلك ، يمكن توقع التأثير الخفي الذي كان لتلك التقاليد في العقلية والسلوك ، والذي يصعب تحديده . بيد أنه ليس ثمة أدنى شك في أن هذا التأثير كان حاضرا في ميادين
--> ( 1 ) ابن سعد ، الطبقات ، طبعة بيروت ، 1957 ، الجزء الرابع ، ص 144 . على أن أبا مخنف يقول ( كما ينقل الطبري في تاريخه ، الجزء الخامس ، ص 61 ) إن الناس كانوا ، قبل علي ، يدفنون موتاهم ، داخل المنازل وخارجها ؛ بعد ذلك أخذوا يدفنون على الظهر . ونادرا ما نجد هذا النوع من التفصيل ، المعروض بدقة ، في نصوص أبي مخنف الذي يميل ، خلافا لذلك ، إلى استخدام الإطار الطوبوغرافي المتأخر لأحداث سابقة . لذا ، لا شيء يحمل على الاعتقاد - كما فعل هندس في مقاله : « Ku ? fan political alignments » بأن الجبانات كانت مشيّدة ، يسكنها الناس في زمن المختار . ( 2 ) مداخلة شفهية للبروفسور بيستون . ( 3 ) مداخلة شفهية للبروفسور رودنيسون . ( 4 ) نجد كذلك كلمة م ص ر في الكتابات والنقوش في جنوب الجزيرة بمعنى المعسكر : مداخلة البروفسور الغول في المؤتمر حول الحضارة اليمنية ( عدن ، 1975 ) .