هشام جعيط
392
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
من هيمنة القبائل العربية الشمالية ( عبر الإسلام واللغة والدولة ) في تحديد الإطار الجديد للوجود العربي . يقول ماسينيون ، بخصوص الكوفة ، إن « العرق العربي أصبح مدنيا في الكوفة بفضل العنصر العربي الجنوبي الذي كان حضريا » « 1 » . فإذا تذكرنا أن القسم الأعظم من المهاجرين كانوا إما بدوا عريقي البداوة ( مضر - تميم ) وإما نصف بدو ( ربيعة ) ، فإن السؤال حول الحضرية يبقى قائما يحتاج إلى إجابة . فالحضرية ليست تثبيت البدو في مكان محدد فقط ، وإنما هي أيضا تمرّس بحياة المدينة يصعب الحصول عليه ، وتجربة تعايش بين القبائل ، وتربية اجتماعية تتولاها عقلية معينة . من هنا جاءت الفرضية التي أطلقها ماسينيون حول الدور التحضيري الذي قام به اليمنيون أمثال همدان وحمير ومذحج . وقد كان للقبيلتين الأوليين ، على الأقل ، تمرس فعلي بحياة المدن كما بحياة الأرياف . فالهمدانيون كانوا يقيمون في الوديان شمال صنعاء ، في تلك القرى إياها التي حملت أسماءها قبائل انتقلت إلى الكوفة : شبام ، ناعط ، ديبان ، السّبيع ، مرهبة ، شاكر ، خارف ، إلخ . حتى إننا نتساءل إن لم تكن المطابقة بين العشيرة ( وهو مفهوم يقوم على نسب الدم ) وبين القرية - الأصل ( وهي مفهوم يقوم على حيّز جغرافي ) التي جاءت منها هذه العشيرة ، قد تمّت أثناء الهجرة ، بغية تكييفها مع العادات البدوية المهيمنة ، لا سيما أن القبائل العربية الجنوبية الأكثر " حضرية " ، بما فيها الحميريون ، عاشت في هيكليات قبلية . كانت حمير ، داخل مجمّع القبائل اليمنية الأصيلة ، القبيلة السياسية ؛ ولا نعلم ما إذا كان عددها قليلا على الدوام ، أم أنه كان لممارسة السلطة يد في إضعاف عددها . وعلى الرغم من عراقة همدان ، فإنها ربما كانت على صلة ما بالمدّ البدوي في اليمن الذي تحمّل ، إلى هذا الحدّ أو ذاك ، أوزار دك صرح الحضارة اليمنية . ثمة إذا أسئلة مستعصية مطروحة ، إلا أن المؤكد هو أنه كان هناك تعايش بين بنيتين قبلية وحضرية ( كما في حالة قريش وثقيف . . . ) ، وأنه إذا كانت القبيلة تحدّد بوعيها بالأصل المشترك الواحد ، فإن العشيرة في اليمن تتحدد بالعيش المشترك في قرية واحدة . تصطدم فرضية ماسينيون بعقبتين كبيرتين : أ ) ليس هناك من دليل على الدور " التمديني " الذي لعبه هؤلاء اليمنيون . خلافا لذلك ، وجد اليمنيون أنفسهم مرغمين على الإعراض عن الهيكلية
--> ( 1 ) . Opera Minora , III , p . 41