هشام جعيط

225

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الطموح المعماري والجمالي كان هذا الطموح موجودا منذ البداية حين افتتن العرب بفخامة المدائن . لكن الحسرة انتابتهم لما غادروها ، لأنها كانت غريبة عن عالمهم ، وقد نقلوا معهم « مصاريع الأبواب » « 1 » زيادة عن جملة من التصورات ، وتكرر ذكر « الأبواب » كثيرا . ولما شيد سعد قصره المتواضع من قصب أو لبن وهو أمر كثير الترجيح ركب له بابا ضخما من خشب - لعله هو أيضا منقول « 2 » . فبدا الباب رمزا من رموز عظمة الحكم الجديد ، وانفعل لذلك عمر ووجه رسولا لحرق هذا الباب « 3 » . وقد روي أنه عبّر عن امتعاضه قائلا « 4 » : « ليس بقصرك ولكنه قصر الخبال » . كان عمر يبذل قصارى جهده للحفاظ على البساطة الأولى ، وروح الأصالة الكامنة في الأمة وهويتها الثقافية . هذا ولا يمكن القول إن العرب لم يستجيبوا لهذا الطلب أو أنهم افتتنوا بسهولة بهذه الحضارة المادية الرفيعة . كان نقل الأبواب واحتمال حرق باب القصر بالكوفة ، عبارة عن مواقف مؤثرة لو كانت حقيقية . الذي يهمنا هنا أنها تستند إلى الرمزية الشرقية الصرف الموجودة في الباب . وهناك شواهد على نقل الأبواب وأسكفاتها من مدينة إلى أخرى في العصر الساساني ، كما توجد شواهد أخرى على أن هناك أسكافات أبواب من آجر كانت تشكل واجهات لمعالم مبنية من لبن ، وهو أمر خاص بالحضارة الشرقية الفارسية « 5 » . فماذا كان موقف سكان الكوفة بعد أن أدخل زياد الآجر في بناء المسجد والقصر ؟ « بنوا أبواب الآجر فلم يكن بالكوفة أكثر أبواب الآجر من مراد والخزرج » « 6 » . لا يمكن فهم هذه الإشارة دون اعتماد كامل خلفية الحضارة الفارسية البابلية التي ذكرنا . وهي تعني أيضا دخول الآجر إلى البناءات الخاصة منذ ولاية زياد - ولا شك أن الآجر بدأ يظهر في دور الطبقة الأرستقراطية أول الأمر - لكن بخصوص أسكفات الأبواب وحسب . أما خلف ذلك ، فقد استمر القوم في بناء منازلهم باللبن « 7 » . وهكذا وقع تخطي المرحلة الأولى ، والمفروض أن الأغنياء ما لبثوا أن أعادوا بناء دورهم بالآجر ، وزخرفوها بالملاط ، وأضافوا

--> ( 1 ) . Streck , art . « Mada in » , E . I . / 1 . لعل هذا المؤلف يشير إلى واسط فحسب . ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 277 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 277 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 47 . ( 5 ) . Ghirshman , L'Iran des origines a ? l'Islam , pp . 164 - 165 لقصر داريوس في برسيبوليس ( إصطخر ) جدران من لبن « لكن أبوابه ونوافذه كانت منحوتة كتلا كاملة من حجر » . ( 6 ) معجم البلدان ، ج 4 ، ص 491 . ( 7 ) فتوح البلدان ، ص 281 .