هشام جعيط
226
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الطوابق وركبوا النوافذ على هيئة شبابيك « 1 » . ولا تتوافر لدينا معلومات صريحة بهذا الخصوص إلا ما روي عن عمر ، بطريق غير مباشر . . . وقد كانت رغبته ألا يقوم سكان الكوفة بالمبالغة في رفع دورهم وألا يتجاوزوا ثلاث حجرات في كل دار . ويعني ذلك أن الأمر كان معمولا به فعلا ، لكن في وقت لاحق كما هو واضح . ونجد في أقوال ياقوت ما ينير لنا السبيل حيث قال : « فلما كان في أيام المغيرة بن شعبة بنت القبائل باللبن من غير ارتفاع ولم يكن لهم غرف » « 2 » . ثم تحدث بعد ذلك مباشرة عن بناء الأبواب من آجر في ولاية زيادة . ويفيد ذلك أن الدور كانت من لبن في عصر زياد « 3 » باستثناء أسكفات الأبواب . ويعني ذلك أيضا أنه تمّ الشروع في رفع البناءات في وقت ما ، وتقسيم الدور إلى حجرات ( تجاوز عددها ثلاث غرف في دور الأغنياء ) . أما بخصوص الآجر ، فلا مجال للقول إن دور الأشراف أدخلت استخدام الآجر على كامل البناية حيث كان الآجر يستخدم حتى ذلك الحين كعنصر لزخرفة الواجهة . ولا يمكن الجزم في هذا الشأن وفي هذه النقطة بالذات ، بل خلافا لذلك ، تضافرت كل القرائن على جعل التفكير يتجه إلى القول إن اللبن كان مستخدما في أكثر الدور خلال العصر الأموي ، لأنه كان أمتن مما يظن وقادرا تماما على تحمل الدور الجميلة المرتفعة ، كما تشهد بذلك دور اليمن في الزمن المعاصر . وقد اتجهت كل هذه التغييرات في اتجاه تمدّن أكثر أصالة ، كان يتمثل في البحث عن المتانة والجمالية والطموح إلى الطابع المعماري بحيث يرتفع المسكن عن الأرض ، وإلى بناء المجال الداخلي ، علما أن هذه التحويرات لم تبدأ بالحراك إلا عند شروع زياد في تنفيذ مرحلة جديدة . وقد أصر زياد على طموحه المعماري الذي لم يخضع للشاغل السياسي وحسب ، بل لإرادة العظمة والبحث عن مظهر جمالي ينمّ عن اتجاه اختيار شخصي جدا ، وعن مصير حضاري « 4 » . ولا شك أن ما سنه قد سرى داخل الكوفة ، ولعله أوحى شخصيا بمبادرات من هذا القبيل . كانت السلطة في عصر عمر وسعد قد خططت تصميم المدينة وأمسكت بزمامه ، لكنها بقيت قريبة من أمة الفاتحين . وخلافا لذلك ، فقد أكدت تعاليها في ولاية
--> ( 1 ) أنساب الأشراف . ج 5 ، ص 226 - 228 . ( 2 ) معجم البلدان ، ج 4 ، ص 491 . ( 3 ) ذكر الطبري ذلك صراحة : ج 6 ، ص 66 ، في عصر المختار ، ومن باب أولى في ولاية زياد ، فقد أمر المختار بهدم دار محمد بن الأشعث وبنى « بلبنها وطينها » دار حجر بن عدي . ( 4 ) أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 202 وما بعدها ، بخصوص النظام الصارم في الحياة اليومية والسياسية الذي سنه زياد في البصرة والكوفة دون شك ، وانشغاله بنظافة المدينة ، وتنظيمها الجيد الذي دفعت ثمنه حكما مطلقا راسخا .