هشام جعيط

224

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

- 16 - التمدّن والتنظيم الأمر المؤكد أن زيادا أعطى الكوفة نواة معمارية لكننا لا نكاد نعلم شيئا عن عمله فيما يتعلق بالطوبوغرافيا المدنية خاصة ، والمرجح أن الكوفة بدأت تشكل مركزا مدنيا حقيقيا ابتداء من المغيرة وزياد . وكانت النواة المعمارية عنصرا يدفع بالكيان المدني إلى الأمام ، ويطبعه بنموذجه المعماري والزخرفي . وقد أشار البلاذري « 1 » من جهة أخرى إلى أن العمال غمروا المركز العمومي ببناءاتهم الخاصة مضيقين بذلك من رقعة الأماكن الشاغرة ، وقد جرى ذلك في بداية العصر المذكور وبمبادرة من عمرو بن حريث - الذي تولى الكوفة نيابة عن زياد . واتخذ زياد آخر الأمر مقررات مهمة فيما يتعلق بمراجعة التنظيم العسكري والإداري للمصر . واعتنى ذلك التنظيم بإعادة تجميع الوحدات القبلية . وليس مستبعدا أنه كان لتلك المقررات تأثير على طوبوغرافية الخطط . تمثل عمل زياد ، وبصفة عامة ما جدّ خلال العشرين سنة التي قضاها معاوية في الخلافة ( 41 - 60 ) ، في تحديد أسس الترتيب العام ، وإشاعة الاستقرار وإدخال التحويرات الضرورية أكثر مما تمثل في اتخاذ قرارات واضحة وأعمال معينة كتلك التي اهتمت بإعادة بناء القصر والمسجد وتلك التي نسبت بعد ذلك إلى خالد القسري ( 105 - 120 ه ) بخصوص بناء الأسواق بناء منظما . وقد تحقق التحول الطارىء على الكوفة بين سنة 50 و 100 أو 120 ه ، فكان تحولا صامتا بصفة عامة ، وقد تميز بمراحل بارزة منها ولاية زياد تحديدا ، ولا ريب أن الأمر كان كذلك في ولاية الحجاج والقسري . ومن المعلوم أن الأمر مؤكد لا مراء فيه بالنسبة للنواة ، لكن المرجّح أن الأمر كان كذلك بالنسبة لبقية المدينة .

--> ( 1 ) فتوح البلدان ، ص 275 - 276 .