هشام جعيط
200
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
وبظهور الإسلام ، دخل اليمن في الدين بصورة طبيعية . وهكذا يظهر البعد القومي - الثقافي للإسلام ظهورا قويا . وكذلك الأمر بالنسبة لاستعداد اليمنيين والعرب الدائرين في فلك الشام ، أي ورثة الحضارة المدنية ، للدخول في المشروع الديني والتاريخي للأقرباء الذين كانوا سابقا رحّلا وسط بلاد العرب ، وللتعايش مع أبناء القبائل الكبرى الضاعنة سالفا والتي أصبحت ممدنة ، وذلك في الكوفة والبصرة والشام . وهذا دليل على الاستعداد الاستثنائي للوحدة في عالم بلاد العرب قاطبة عند ظهور الإسلام ، حيث نضج هذا التأهل خلال ألف سنة من التاريخ . لكن ذلك يعني على صعيد التجربة المدنية ، أن العرب أصبحوا يتبادلون التدرّب بحيث يمكن الحديث بالنسبة لهذه الألفية ، عن تجربة عربية للمدينة ، على الرغم من التجزيئات المكانية والزمنية . إن التدفقات الحضارية الخارجية جرى استيعابها في الشام ، ثم انتقلت إلى اليمن ، ومن اليمن إلى الشام رجوعا ، ومنهما معا إلى الحجاز . لكن وفضلا عن ذلك ، وعلى الرغم من هذا التضامن الذي التحمت به المناطق المختلفة لبلاد العرب ، فإنه يمكن ويجب الحديث عن تجارب نوعية ، لأن المدينة تعبير عن التربة ، وعن تقليد خفي ، وعن إرث ثقافي إقليمي محلي وهي الصورة المحلّية للرؤية الكونية والتجربة التاريخية والسياسية والاجتماعية . إن العلاقة بالخارج لا تمر عبر رشح الثقافة الشقيقة فحسب ، لكن أيضا بواسطة الاقتباس المباشر ، كما هي حال اليمن في علاقته بالهلينية . وما يكون في المقام الأخير ليس دائما تراكما لماض طويل ، لوجود جانب كبير من الحذف والخلق والتكيف مع الواقع المكاني والزمني . وفي الجملة ، فإذا كان لا يمكن تصور مكة بدون هذا الماضي فهي ليست تتويجا أو تراكما . لقد تطورت مدن الحجاز ارتباطا بالانهيار اليمني ، وارتباطا بالموت البطيء أو العنيف الذي نزل على المدن العربية القوافلية بحواشي الشام ، وكان لها أن تقتبس الكثير من هنا وهناك . لكنها بقيت أساسا نتيجة للعالم الخاص بها ، عالم وسط بلاد العرب ، والحجاز بصورة أدق . إن أقدم المصطلحات العربية تعبّر عن مفهوم المدينة بكلمة قرية ، لا بكلمة مدينة أو مصر . وكلمة قرية يعبر عنها في الفينيقية بقرت ، وفي العبرية بقيرات ، وبالسريانية ب Qere ? « 1 » ، ويقابلها باليمنية كلمة قريبة جدا من العربية وهي قرية « 2 » وقد استعملها القرآن مرارا في المفرد والمثنى والجمع دلالة إما على المدينة عامة « 3 » ، وإمّا على مدينة معينة
--> ( 1 ) A . N . al - Wohaibi , art . « Karya » , E . I . / 2 . ( 2 ) لسان العرب ، ج 15 ، ص 177 وما بعدها . ( 3 ) القرآن ، سورة الأنفال ، 16 ، سورة الزخرف ، 23 ، سورة سبأ ، 34 . لكن بالنسبة لسبأ استعملت كلمة بلدة ، سورة سبأ ، 15 . ولا يتعلق الأمر بمجموعة من الأهالي المستقرين كما ادعى لامنس ( Lammens , La . cite ? arabe de Ta'if , p . 183 )