هشام جعيط

194

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

بزعامة حقة على الأقل في مستوى غربي بلاد العرب . ومن الجائز فتح النقاش في طبيعة هذه الزعامة وامتدادها في المجال . تبرر التجارة والدين هذه الزعامة لكن كل شيء مرتبط هنا بتقويمنا لما بلغته التجارة والديانة من قوة . لم توفق قريش في أن تحشد ضد الرسول سوى القبائل المتحالفة والمنتسبة إلى منطقتها - كنانة وأهل تهامة وغطفان أيضا « 1 » لكن الحقيقة أن اشعاعها امتد على بلاد العرب كافة ، وكان كافيا بالقدر الذي جعل إسلامها واعتناقها الإسلام يجرّان جانبا كبيرا من شبه الجزيرة إلى الدخول في الدين الإسلامي . كل هذه الأمور تعني أن مكة ومحيطها من الرحل ، سواء أكان كبيرا أم صغيرا ، كانا يعيشان ضمن بنية من المبادلات والتشارك وتقديس هذا المحيط لذاك الدين . كانت مكة قطعا في حمى من كل عدوان عربي بفضل وجود الحرم . ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة للطائف ويثرب . إن هاتين المدينتين أي الطائف جنوبا ووجهتها اليمن « 2 » ويثرب شمالا ووجهتها مدن العرب الأوائل الغابرة ، تيماء ، ودومة والحجر بعد ذلك والتي كانت تجاوز سلسلة تجمعات وادي القرى ، لم يكن لهما من الحصانة ما كان لمكة . لكن المصادر لا تشير إلا نادرا بخصوصهما ، إلى غزو البدو لهما بإصرار منظم . على أن إغراء الغزو كان موجودا ونوعا من الضغط يمارسه عالم الرحل على هاتين المدينتين ، فكان على الطائف أن تبني سورا احتماء من هجمات الرحل المجاورين « 3 » . وتدرعت يثرب والواحات المجاورة بالأطم « 4 » . وقد كانت رغبة غطفان في الإغارة على المدينة هي التي دفعتها إلى الانضمام إلى قريش ضد الرسول خلال غزوة الخندق « 5 » . إلا أن عدوانيتها كانت رخوة بالفعل . الواقع أن التلاحمات من كل القبائل التي جرت في الطائف كما في يثرب ، كانت أقوى من النزاعات . فكما كان الأمر بين قريش وكنانة ، بدت ثقيف منتمية إلى تجمع الرحل الكبير الذي قادته هوازن والذي أمدها بحماية حربية « 6 » ، مع الرضاء بهيبتها الحضارية . لم يكن في هذا المجال أو في غيره خضوع رضخت بموجبه للقوة المقاتلة ضمن علاقة خنوع وحماية ، كما

--> - . 187 - 188 . لقد عاد F . Donner إلى هذه الآراء وأخطأ بخصوص مفهوم « المنصب » حيث أسقطه على بلاد العرب في العصر الجاهلي : Ouvr . cit . , pp . 15 , 34 - 37 ( 1 ) ابن إسحاق ، السيرة ، ص 670 - 673 ، . W . M . Watt , Mohamet a ? Me ? dine , p . 52 ( 2 ) لعل الدمون وهو يمني من حضرموت ، هو الذي بنى السور : البلاذري ، الفتوح ص 67 ؛ ياقوت ، معجم البلدان ، ج 4 ، ص 9 ؛ Lammens , Taif , p . 206 : و : Art . « Taif » , E . I . / 1 ( 3 ) ياقوت ، المعجم ، ج 4 ، ص 11 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ج 5 ، ص 82 - 88 ؛ السمهودي ، وفاء ، ج 1 ، ص 190 ؛ . Lammens , op . cit . , p . 184 ( 5 ) ابن إسحاق ، السيرة ، ص 673 . ( 6 ) كما حدث في حنين ، ابن إسحاق ، السيرة ، ص 841 - 842 .