هشام جعيط

195

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

سيحدث ذلك في المستقبل بأماكن أخرى ، ضمن العلاقات القائمة بين الرحل والحضر . وهكذا كانت المدينة قادرة على الدفاع عن نفسها فعلا . إذ كانت تختزن العدوانية القبلية ، وكانت تحتفظ لحدئذ بالخصال القتالية ، متفوقة على الآخرين بفضل دبلوماسيتها واشعاعها الاقتصادي ، فكانت تسحر الألباب بقدرتها على التنظيم . أما القبيلة ، فلم توفق أبدا في مواصلة الجهد الحربي الطويل النفس . فكانت عدوانيتها تتجه بالأحرى إلى قبائل أخرى ، الأمر الذي نتج عنه التلاحم بالمدينة التي تفصلها عنها مسافة الاحترام . إنه احترام يعود دون شك إلى زمن بعيد ، إلى التقليد الموروث عن تاريخ الشرق كافة ، الذي فرض المدينة كمركز للسلطة والقدسية والحضارة من بابل إلى اليمن . وهو الذي كان يغذي عند القبائل شعورا بالنقص ومطلب التلاحم على الرغم من قوتها الحربية . حتى ولو أن يثرب لم يمكنها الادعاء بأية هيبة ناتجة عن التجارة والدين ، فقد كانت تساندها قدرتها على المبادلات المغتذية من زراعتها ، وعلى هذا فقد كانت تؤكد هي أيضا ضرورة وجودها تجاه عالم الرحل المحيط بها . فنجم عن ذلك ارتباط عدة جموع بها ، كجهينة ومزينة بصلات الحلف الشاملة أو الشخصية « 1 » . ولذا سوف ينتقل التلاحم في بداية ظهور الإسلام كما انتقلت الصلة الممتازة بين قريش وكنانة . وسوف تبرز عند قيام الخطط الأولى بالكوفة والبصرة ( أهل العالية ) « 2 » . كان للروح التعاقدية من عميق الرسوخ في حياة الحجاز في العصر الجاهلي وربما في بلاد العرب كلها ، ما جعلها تفرض وجودها حتى على الفارق الديني والعرقي ، كما تشهد بذلك عرى الولاء الشديدة المفعول ، التي كانت تربط اليهود بالأنصار « 3 » . الحقيقة أن الحجاز كان بعيدا من مناطق القبائل الكبرى الراعية للإبل في وسط بلاد العرب وشرقها ، مثل تميم وأسد وطي وبكر . أمّا القبائل الشديدة المراس بالحرب المقيمة في الشام - جذام وبلي وكلب - فكانت تعيش تابعة للغساسنة أو للدولة البيزنطية ، وكانت متجذرة في عالم آخر . على أن تميما كانت تشرف على شعائر الحج « 4 » فكانت مسؤولة عن

--> ( 1 ) ابن إسحاق ، السيرة ، ص 434 ، 485 - 506 ، 609 - 610 ، 775 . اتحدت جهينة مع الخزرج في معركة بعاث ، وأتحدث مزينة مع الأوس كما قال واط : . Mahomet a ? Me ? dine , p . 106 ووضع الأنصار ومزينة بالكوفة في الخطة نفسها : الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 2 ) كانت كنانة والأحابيش تشكلان مع جديلة قيس سبعا ضمن الأسباع الأولى بالكوفة وقد انضم إلى ذلك عناصر من قريش دون شك : الطبري ، ج 4 ، ص 84 . ويوجد في البصرة بخمس أهل العالية ، مزينة وثقيف وخزاعة وقريش الخ . . . صالح العلي ، التنظيمات ، ص 318 - 319 . ( 3 ) كانت قينقاع حلفاء للخزرج وقريظة موالي الأوس : السيرة ، ص 688 . لقد حشد عبد اللّه ابن أبي لقائده قينقاع ، في حين الخزرج استاؤوا لتقتيل بني قريظة ، فحاولوا كل سبيل لإنقاذهم ، وهي معروفة لأبي لبابة ، السيرة ، ص 686 - 687 . ( 4 ) Kister , « Mecca and Tamim » , pp . 146 ff .