هشام جعيط

189

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

غرونباوم « 1 » . وبعد مرور وقت طويل ، وتجاوزا للقرون الثلاثة الأولى حيث تطابقت العروبة مع المدن والدولة والأمبراطورية والدين ، ندرك أن هناك عودا واضحا إلى التطابق بين عرب - ولا حتى أعراب - وبين الترحل ، كما هو الشأن في مقدمة ابن خلدون « 2 » . كانت اللغة الاصطلاحية المغربية التي سبقت فترة الاستعمار تقابل بين عربي وبلدي ، علما أن عربي يدل على المترحل أي ذاك الذي يتمثله الذهن رجلا من الريف أي غير المدينة فيقابل به رجل المدن . فباستثناء عصر الفتح والأمصار ، هل كانت المدينة طيلة ما يزيد على ألفي سنة ، على طرفي نقيض مع العروبة ؟ ثم لم هذه المداومة بالخصوص على المطابقة بين مفهوم يبدو عرقيا لغويا نعني مفهوم عرب ، وبين نمط عيش الترحل ؟ الهوية العربية والترحل والمدينة لقد عاش العالم الشرقي أكثر من أي مدار آخر ، جدلية قوية بين التحضر والترحل . كان التحضر ذاته منسوبا إلى المدينة الواحة ونموذجها الموجود في بلاد الرافدين . والمحتمل أن المدينة ، في التمثل كما في اللغة ، كانت تحتل الصدارة بالنظر للقرية ، وهو ما يفسر غموض لفظة قرية ، وسنعود إلى توضيح ذلك . إن بلاد الرافدين المركز الممتاز ، ومقر التحضر للمدن والممالك ، كانت تعارض بشدة عالم الحواشي الصحراوية ، عالم الرحل المختلطين بصورة مبهمة ، وكانت تخضع باستمرار لضغط ذلك العالم الذي كانت تدركه من حيث اشتداد تميزه عنها ، نعني الترحل ، دون تمييز عرقي أو لغوي . كان الأشوريون والبابليون يطلقون تسمية « ع - ر - ب - ي - و » على كل العناصر المحيطين بهم والذين يتكلمون لغة سامية غربية ، مع العلم أن المحدثين يرون أن « العربية الخالصة » أو عربية الأوائل كانت تتميز من لغات الشمال الغربي الأخرى ، كالأرامية « 3 » . لكن لماذا هذه التسمية بالذات دون غيرها ؟ من المحتمل أن كل الساميين غربا مثلوا في وقت ما ، أي في الألفية الثالثة ، مجموعة واحدة من الشعوب وربما شعبا واحدا ، وحّدته اللغة ونمط العيش في آن ، وقد أدرك في نزاعه مع عالم بلاد الرافدين أن الترحل يحدد هويته أساسا . وبالفعل ، كانت هذه المجموعة البشرية تسمى « ع - ر - ب - أ - أ » أو « ع - ر - ب - ي - و » كما جاء في الرواية الأكادية . وكانت تسمي هي نفسها باسم مقارب انطلاقا من ذات الجذر ( ع ر ب ) . ولعل الاسم المولد ( ع ر ب ) Eber ، و Ibrim ( عبريم ) يعني انقلابا حرفيا ، من ع ر ب إلى ع ب ر ، وهو

--> ( 1 ) Von Grunebaum , art . cit . , p . 6 . ( 2 ) التاريخ ، طبعة بيروت 1961 ، ج 1 ، ص 262 - 263 . ( 3 ) في رأي نولدكه ، مثلا : . No ? ldeke , Art . cit . ,