هشام جعيط

190

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

تعليل أكثر دقة من ذلك الذي يلجأ إلى عبور ميثولوجي لنهر الفرات ، ومنه اشتق جذر ( ع ب ر ) الذي يعني شق وقطع . أما تسميتهم ب « ساميي الغرب » ، فلم يعد أبدا سوى اتفاق وضعه العلم الأوروبي في القرن التاسع عشر ، انطلاقا من المصطلحات الواردة بالتوراة ، واستشهادا بالزاد اللغوي المشترك . إن مفهوم ( ع ر ب ) الأكثر قبولا هو الذي يشعر بواقع لغوي وواقع يرتبط بنمط عيش الترحل . على أن هذا المفهوم يستبعد « ساميي الشرق » الذين يحيلون إلى مرحلة سابقة مشتركة - على فرض إنها وجدت يوما ، والذين ينفصلون انفصالا عميقا عن الآخرين بسبب التحضر في شكله القروي والمدني . لقد شكلت صيغة ، ( ع ر ب ) و ( ع - ر - ب - أ - أ ) و ( عرب ) الشكل الأول الذي اتخذه العرب الأوائل ، وجذع الشعوب المعروفة بأنها سامية غربية ، وهي تشترك في نمط العيش واللغة وربما الدين . وبعد ذلك انحدر منهم العبرانيون والفينيقيون والأراميون والعرب ذاتهم الخ . . . بواسطة التمييز التدريجي وعن طريق الهجرات . إن الموطن الأصلي نفسه الذي يقع في الجنوب الشرقي من الشام أو بين الشام وبلاد الرافدين ، لا بد أنه عاش تطورا لغويا ، وتفريعا بين عربية الأوائل وبين الأرامية ، وهذا مثال متأخر . لكن هذا التطور لم يكن من الوضوح بحيث يدركه الأشوريون والبابليون الذين استمروا في التعرف عليهم بواسطة نمط عيشهم . حتى إنهم فسحوا هذا المفهوم لكل بدوي حتى لو كان نسبه الجغرافي بعيدا . لكننا رأينا أنه كان يوجد في البداية مجموعة لغوية أيضا . لقد وضع المحدثون مميز « العربي الخالص » لأسماء الأعلام ، وذلك بمعنى من الجنوب الغربي ، أي يمني . ومن المحتمل جدا أن عربية الأوائل الحديثة التي انحدرت منها لغتنا العربية ، قد تميزت في وقت متأخر عن الجذع المشترك ، كما يحتمل أن يكون العرب الأوائل من آخر مرحلة للتطور أو من جاء بعدهم ، قد حافظوا على تسمية المجموعة كافة لأنهم تمادوا في الترحل . أما في الموطن الأصلي ، فقد بقي مفهوم عرب هو أيضا ينطبق على البدو ، من الجماعات اللغوية كافة بدون تمييز . وعلى هذا تسمى العرب الأوائل لغويا ، وقد فقدوا صفتهم البدوية ظاهرا ، مثل الثموديين والنبطيين ، لا عربا بل بأسماء محددة نوعية « 1 » . لقد برزت الهوية العربية القائمة على اللغة ضمن المجال الشامي ، قبيل ظهور التاريخ الميلادي وتأكدت خلال القرون الثلاثة التالية . والظاهرة المفارقة أنّ هذا البروز ارتبط بالمدن ،

--> ( 1 ) . E . I . / 1 , art . « Nabate ? ens » et « Thamud » ; C . Rabin , « arabiyya » , E . I . / 2 . الواقع أن التاريخ الحديث المدون هو الذي يسميهم كذلك ، عملا بالكتابات الأكادية والكلاسيكية والقرآنية . راجع : M . Rodinson , « Bilan des e ? tudes Mohamediennes » , Revue historique , t . 229 , fasc . 456 , Janvier - mars 1963 , . pp . 186 - 187 .