هشام جعيط

180

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

- 14 - قوّة الماضي : الإرث العربي القديم يبدو لنا أمرا بديهيا أن كل ما من شأنه أن يشكل تكوّن الحضارة العربية الإسلامية وهياكلها ، ينبغي أن يعتمد قطبين ، على الأقل خلال الأربعة أو الخمسة قرون الأولى من فترة الانطلاق . أما القطب الأول فهو العالم الشرقي الخارجي حيث تطورت هذه الحضارة ، وأما القطب الثاني فهو عالم العروبة الداخلي الذي منه تحدرت . لقد سبق أن ألمحنا إلى النقطة الأولى ، وها نحن نشرع الآن في فحص الموضوع الثاني . لقد نزعت لفترة طويلة الرؤية التقليدية الأوروبية والإسلامية معا إلى تصور الحضارة العربية - والمدنية أيضا - وكأنها منبثقة مباشرة ومكتملة من بلاد العرب لكي تفرض وجودها على العالم الشرقي ، في حين أن المعرفة الأوروبية ، وبدرجة أقل الصورة الذاتية التي كوّنها العرب المحدثون ، قد تطوّرت منذ حوالي قرن في اتجاه يبرز المؤثرات الخارجية غير العربية ، سواء كانت نصرانية في المجال الديني ، أم فارسية في المجال الحضاري ، أم هلينية وهندية في المجال الثقافي . وعلى هذا النحو تمّ تفضيل عمل المحيط على عمل المعطى الوراثي . ولعلّه ينبغي اعتبار هذا الأمر عزما على التقليل من الحصيلة العربية الأهلية أو على حل الغيرية العربية الإسلامية ، من وجهة النظر الأوروبية . أما من الوجهة العربية الحديثة ، حيث يبقى التصوّر القديم مهيمنا لا محالة ، عند ظهور اغراء الاتجاه الإيراني والبابلي والهليني ، فذلك دون شك استجابة لرغبة ترمي إلى إخراج الكيان العربي الإسلامي من عزلته التاريخية وإنقاذه من « الهمجية » ليصار إلى ربطه بتقاليد ثقافية كبرى ، وتبرير وجوده ، ومنحه عزة . إنما لم يمر وقت طويل على اتجاه البحث التاريخي من جديد وبمنظورات مغايرة تماما ، في طريق تعمل على تحليل الواقع العربي الجاهلي بغية مزيد من الإحاطة بتولد الإسلام على الصعيد الديني كما على صعيد مؤسسات الاجتماع والدولة . ألم يكن الرسول قرشيا نشأ وترعرع في بيئة مكة قبل كل شيء ؟ ألم تكن الدولة بالمدينة دولة عربية قبل كل شيء ؟ وهل