هشام جعيط
181
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
كانت بلاد العرب تتّصف بالفوضى كما قيل ؟ ألم يكن فيها مدن ، وتيارات للمبادلات ، ومؤسسات وسلوك أخلاقي ( Ethos ) ، وديانة موحدة أو تكاد ؟ وحين تشكلت بعد ذلك الحضارة العربية الإسلامية الكلاسيكية ، فهل كان كبار المؤسسين الثقافيين حقا من الموالي والعجم قبل غيرهم ، وأن الثورة العباسية كانت من فعل فرس خراسان ؟ لقد تأثر البحث من الجانب العربي قطعا بتيار القومية . ولما تقنع بقناع الايديولوجيا ، فقد نزع إلى تيار عروبي تاريخي شمولي ، حين أراد مثلا تعريب تاريخ الشرق كافة منذ البداية . أما من الجانب الغربي فكان الأمر يعني فتح اتجاهات جديدة للبحث ، جرى إهمالها لحدئذ ، أو صرفها حكم مسبق معاد للعرب . ولذا فهي اتجاهات تمر عن طريق رد الاعتبار للعالم العربي القديم ، لكن ذلك يدل بالخصوص على شاغل العلمية أكثر ما يكون حدة ووضوحا . وكأن هذا الأمر بمثابة العودة إلى بديهية الأشياء وبساطتها . وتبرز هذه البديهية بقوة كبيرة في كل ما يمس الإسلام الأول : أي تولد الرسالة ، وبناء الدولة في المدينة ، والهياكل القبلية ، والنزاعات السياسية التي وجدت في القرن الأول الهجري . أما بخصوص بنية المدن العربية خارج بلاد العرب ويعني ذلك عنصرا من عناصر الحضارة المادية والإنسانية أيضا ، فإن النّسب يردّ إلى المهد الأصلي ، ويمكن أن يظهر أكثر إبهاما وأكثر عرضة للتقييم ، لكنه لا محالة نسب ثابت مبدئيا . كان للعرب مدن في شبه الجزيرة منذ القديم ، وبالأخص قبيل ظهور الإسلام : كانت بعض هذه المدن قد اندثرت مع العرب الأوائل ، وكانت هناك مدن باليمن والحجاز والمدن الثغور في الشمال والشرق . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى كانت هذه المدن تظهر بمظهر ثانوي في الوجود العربي - وهو مشكل مطروح فعلا - إلى جانب الظاهرة الرعوية مثلا . في حين أن الدولة والحضارة والقوة كانت متمركزة في بلاد الرافدين بالمدينة . أما من حيث حجم النمو والإشعاع فبالإمكان مقارنة الكوفة والبصرة وبغداد ببابل ونينوى والمدائن ، أكثر من أن تقارن بصنعاء ومكة والمدينة . لكن هل يقضي الحجم على الشكل وأكثر من ذلك على الجوهر الثقافي ، ولا سيما في المرحلة الأولى حيث لم تنفصم الوشيجة بالوطن الأم ولم يتسن امتصاص النماذج الأجنبية سريعا . لقد أشرنا إلى فرضية بقاء المعسكر البدوي ضمن بنية قطائع العشائر السكنية ، بمعنى تأثير خاصية للتجمع غير المدني على بنية مدنية . وهو دليل على أهمية الخلفية العربية كافة ، لا المدنية فحسب ، لمزيد من ادراك تولد الكوفة . فإذا كان هنا مبرر وفائدة في إبراز العناصر الأساسية لميراث الشرق بصفته بيئة استقبلت الكوفة ، فلا أقل من البحث عما يمكن أن تكون العوالم العربية المختلفة المتوالية أو المتجانبة ، قدمته في مجال التقاليد المدنية أو طرائق التجمعات البشرية ، كمعنى نوعي للمجال ، وكتجربة أو مؤسسات ، حتى من وجهة المنطق الثقافي الأكثر انغماسا ، في الأولى زمنيا من الحواضر العربية الكبرى .