هشام جعيط
18
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
سيولّيه الأمر » كما قال الدينوري « 1 » . ليس يهم إلا قليلا الاطلاع على مشاعر المثنى . لكن ، وخلافا لذلك ، لا منازع أن مساعدته كانت فعالة وثمينة وأنه جسّم عنصر الاستمرار والدوام في مشروع الفتح الذي تعطل عدة مرات . كان البلاذري والدينوري محقين في منحه مكانا مركزيا في انطلاق المغامرة العراقية « 2 » ، في حين أن الطبري نزع إلى إغفال دوره ، فيما نقله لنا من روايات باستثناء تلك التي يعتمد فيها أبا مخنف « 3 » . وعلى كل ، فخلافا لما اتصف به كتاب الدينوري من إيجاز ووضوح وتبويب ، إذ ربط أحداث الأيام بعرض حول تدهور الأحوال في الإمبراطورية الساسانية ، وقصرها على الاستيلاء على الحيرة وحصونها الثلاثة ، وكذلك على وقعة عين التمر ، وخلافا أيضا لما يبدو عليه نص البلاذري من الوجازة ، فإن النصوص التي أوردها الطبري تستهدف الشمولية ، فجاءت كثيفة ، مفرطة التفاصيل ، مترامية الأطراف . وردت روايات مطولة لأحداث الأيام ، وتجاوزت كثيرا ما كان يترقب منها من أهمية عسكرية حقة . وتجلى هذا الأمر في كتب الفقه « 4 » ، والمغازي والتاريخ « 5 » . أما حقيقة الأمر ، فإن المناوشات الأولى على حدود العراق تبدو في نظر المؤرخ الحديث المتتبع لسياق الأحداث ، بمثابة الأحداث الصغرى بالنظر للمعارك الحاسمة - ومنها معركة القادسية - التي هزت الأمبراطورية الفارسية في قوتها ثم في وجودها هزا لا رجعة فيه . فضلا عن أن نتائجها الإيجابية كخضوع الحيرة وخضوع بعض قرى السواد منها أليس وبانقيا كانت غير ثابتة ، لأن عودة الفرس إلى الهجوم جعلتها لاغية ، وهكذا انطلق العرب من الصفر في القادسية ، كأنه لم يقع شيء . فلم هذا التضخيم لحدث الأيام في الروايات ؟ يمكن تعليل اهتمام الفقهاء بالتطورات الأولى للفتح بمحاولتهم العثور على قاعدة فقهية عامة مستمدة من صور خاصة ، هي قاعدة الصلح المتميزة عن وضعية العنوة . ومن الممكن أيضا أن سكان الحيرة أرادوا التملص من النظام المشترك للسواد ، مستظهرين بمعاهدة أبرمت مع خالد . وبذلك يمكن للمشاغل النوعية الخاصة بالقرن الثاني ( إمكانية التصرف بالبيع في أرض السواد أم لا ، نظام خاص أو غير خاص للمجموعات التي طالبت به باسم الحقوق التاريخية ) أن تفسر اهتمام الفقهاء بأحداث تبدو ثانوية من الوجهة التاريخية « 6 » .
--> ( 1 ) الأخبار الطوال ، ص 112 . ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 243 ؛ الأخبار الطوال ، ص 112 ؛ لا نجد في تاريخ خليفة بن خياط أي خبر مهم : انظر ج 1 ، ص 85 - 86 . ( 3 ) الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 343 . ( 4 ) أبو يوسف ، كتاب الخراج ، ص 142 - 149 . ( 5 ) ابن الأثير ، الكامل ، ص 384 - 461 . ( 6 ) يعتمد البلاذري في رواية الأحداث ، قواعد فقهية من هذا القبيل : « ليس لأهل السواد عهد إلّا الحيرة وأليس وبانقيا » أو من ذلك : « لا يصلح بيع أرض دون الجبل إلّا أرض بني صلوبا وأرض الحيرة » ، فتوح البلدان -