هشام جعيط
178
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
باعتبارها المكان الأقدر على دعم أية هيمنة إمبراطورية جديدة . لا ريب أنه يوجد من الجانب الفارسي تلك الإرادية التمصيرية « 1 » ، التي ورثها العرب والتي كانت من الأسباب الجذرية لإنشاء الكوفة . لكن الكوفة - وهذا الفارق مع بغداد - لم ترد أن تكون حاضرة إمبراطورية متجهة بكل قواها إلى التعبير عن العظمة الملكية لنفسها ، كما جرى الأمر بالنسبة للسوس وإصطخر والمدائن . وإنما خضعت مثل المدينة الفارسية إلى سلطة مركزية ممتدة على تراب شاسع ، وأقحمت في شبكة إدارية لم تتغير ، هي شبكة الكور الساسانية . إن هذا المظهر الذي اتخذته الكوفة كمتصرفة في تراب محدود « 2 » ، يمدد الواقع الفارسي ويناقض واقع الاستقلال النسبي الذي كانت عليه الحاضرة الهلينستية . وبعد ، فلا أسلوب التخطيط ، ولا بنية الفضاء الكوفي الأول يبدوان مقتبسين شيئا من الإرث الفارسي . مع أن ما كان أكثر وضوحا من غيره هو الحضور الساساني . كان أشد تأكيدا في النصف الشرقي من العراق - سواد دجلة أو إقليم ديالا « 3 » ، لكنه بارز أيضا في منطقة الفرات ، عبر أسماء المكان ومسح الأراضي وشبكة القنوات ، ومن خلال وجود إنشاء فارسي مثل الأنبار « 4 » . من الممكن ومن الواجب قطعا أن نقبل بوجود جانب كبير من الوساطة الفارسية في نقل التصورات البابلية والمقاربات الهلينستية للظاهرة المدنية ، لا أن نقبل المسعى الفارسي الصرف لهندسة المجالات . لقد كانت الكوفة مربعة الشكل فعلا ، غير مستديرة مثل درابجرد وأصفهان ، وحتى المدائن التي عرفها العرب وحدها في ذلك العصر . لكن بخصوص ما اقتبس من الفرس في المعمار فإن ذلك يظهر فورا للعيان . فقد ذكر أن الأحجار جلبت من الأهواز ( خوزستان ) لنحتها أعمدة عالية ( إن هذه الظاهرة فارسية صرف تعود إلى عصر الاخمينيين ) « 5 » ، وأنها حملت سقفا مسطحا ، دون تقويس ، وهذا يسترعي الانتباه ، ففرض على كرسويل صورة آپادانا . Apadana وكان المهندسون من الفرس وقد ورد اسم رئيسهم ، وهو من همدان اسمه روزبه بن بزرجمهر ، وقيل أيضا انه صمم المركّب الموحد للمسجد والقصر . صحيح أن سيفا نفسه لم يقبل خبر نقل الأعمدة من
--> ( 1 ) راجع حول هذا المظهر من السياسة الساسانية : . Pigulevskaja , p . 186 ff ( 2 ) Aubin , « Ele ? ments pour l'e ? tude des agglome ? rations Urbain dans L'Iran me ? die ? val » in The Isla - mic City , pp . 68 - 71 . لكن تأثير الكوفة كان شاسعا فيما يتعلق بالعمليات العسكرية . ( 3 ) R . McAdams , Lands Behind Baghdad ; a History of settlement on the Diyala Plains , Chicago , 1965 . ( 4 ) كانت منطقة الكوفة منطقة الثلاث بهقباذات التي نظمها أو أعاد تنظيمها الساسانيون . ( 5 ) رجع إليها الساسانيون : . Schlumberger , Ouvr . cit . , pp . 567 ff