هشام جعيط

177

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

قرن . لكن تثير هذه الروايات وتوحي بإمكانية جديرة بالنظر لم يتردد كرسويل « 1 » في درسها ، وقد سبقه إلى ذلك لامنس « 2 » الذي يرى أن المقصود به عند سيف تصاوير جدارية وفسيفساء ذهبية على الطريقة البيزنطية . ويوافق كرسويل على وجود التأثير البيزنطي لكن بشكل آخر غير شكل الفسيفساء على الحجر . ينبغي البحث عن النموذج حسب رأيه ، في الصنف الكنسي من كنائس شمال الشام تلك التي استعمل فيها الخشب كمادة لبناء السقوف المستقيمة المستطيلة لا السقوف المقببة أو التي كانت على شكل القبة . ولعل هذا النمط المعماري يكون انتشر في شمال بلاد الرافدين عند قدوم الجيوش البيزنطية . ثم أورد كرسويل كمثال ، الرصافة التي يعود تاريخ الكنيسة الجامعة فيها إلى القرن السادس م ، وسرجيوبوليس ، وحلبية . لكن لا يكشف لنا كيف انتصر هذا النموذج في بلاد بابل ، ولا كيف أصبحت هذه البلاد تابعة ، من بعض الوجوه على الأقل للعمارة الشامية ، كما جرى في الجزيرة . ويكون سقف الظلّة حسب رأيه من خشب ، أقيم مباشرة على الأعمدة وبدون أقواس ، ولم يكن شكله مقببا . وهذا يستثني التفكير في النموذج الخاص ببلاد الرافدين المتضمن لسقف من لبن مخلوط بالقصب ، كما في نينوى وخورسباد ، وكما أيدته المصادر بالنسبة للبصرة الأولية . فهل أن المؤثرات الرومانية أو بالأحرى البيزنطية توقفت في مستوى الحيرة والكوفة ، ولم تتقدم أبعد من ذلك ؟ في الحقيقة ، حتى لو شككنا في واقع هندسة معمارية جديرة بهذا الاسم في الكوفة المبكرة ، فإن مصادرنا تؤكد على وجود تأثير بيزنطي معين يخص الكوفة ، وهي صامتة عن البصرة . وبخلاف ذلك ، كانت صريحة إذ نسبت للبصرة مسجدا ، إمّا من النمط الذي قد ينتسب إلى بلاد الرافدين « 3 » ، وإمّا من النمط العربي البدائي ، وهي تسكت عن هذا في خصوص الكوفة . ومهما كان الأمر ، وإذا صح أن وجود تيار من المبادلات بين بلاد بابل والشام يفرض نفسه على انتباهنا ، فإن المؤثرات الرومانية - البيزنطية التي لا شك في حضورها « 4 » ، بقيت ضعيفة في تعابيرها المباشرة . وأكثر أهمية من هذا دون شك الدور الذي قامت به هذه المؤثرات في نشر المثال الهلينستي أو في المحافظة على مثاليته كمرجع معماري ، لكن أيضا وبالخصوص في نشر مفهوم المدينة المنشأة

--> ( 1 ) Ouvr . cit . , I , pp . 17 - 18 . ( 2 ) Lammens , « Ziad Ibn Abihi , vice - roi de L'Irak » , Rivista degli studi Orientali , IV , 1912 , pp . 247 - 248 . ( 3 ) « بنى أبو موسى الأشعري المسجد ودار الامارة باللبن والطين وغطاهما بالقصب » : البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 342 . ها نحن قربنا كثيرا من نموذج نينوى وخرسباد الذي أشار إليه كرسويل . على إننا لا نجد ذلك بالنسبة للكوفة عند البلاذري ولا عند الطبري . ( 4 ) الظاهر أن ريح الشمال تصل إلى بلاد بابل لكنها لا تبلغ الجنوب .