هشام جعيط

153

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

عفوية ، وفي الحالة الثانية نكون إزاء مدينة منشأة . ذلك أن الأمصار بصفتها مدنا للحاميات في بداية الأمر ، لم تكن « مبنية حسب تصميم مسبق » . كانت « مستعمرات عسكرية » تتميز بسرعة نموها الأول ، ولعل ذلك النمو تم « دون شعور واقعي بالعناصر الشكلية للتخطيط » ( إن العبارة الإنجليزية المطابقة City - planning تكتسي فيما يتعلق بالكوفة ، وضوحا كبيرا لتضمنها فكرة التخطيط ) . ويضيف أن الاستقرار الدائم ما لبث أن تحقق ، واستبدلت الأسواق بطرق التموين ، كما نشأ تنظيم صناعي ، لكن كل ذلك تم على صورة المدينة الخارجية التي تحيط شيئا فشيئا بالمعسكر الأصلي وتغمره . يبدأ الزخم من المركز وتقع دفعة من الداخل نحو الخارج . إن نمو المصر يظهر هكذا بمثابة السلسلة من « المراحل المتعددة للتولد العفوي » ، وليس نتيجة « تنفيذ لمخطط منتظم » « 1 » . وهكذا فإن هذا التصور قد اقتبس الكثير من أفكار پوتي ، إذ يتضمن الانقسام بين المعسكر والمدينة اللاحقة ، وفقدان كل تصميم سابق ، ونعت هذه المدينة اللاحقة بأنها « عفوية » ، حيث تكون برزت وراء النواة الأولى بحركتها الذاتية ، وبكيفية فوضوية ، كما أنها لا تخضع للمراقبة . لكن الجديد عند لاسنر أنه يلح على اتجاه الحركة التي تكون هنا داخلية - خارجية ، فيجعل منها تحولا للمركز . لماذا ؟ لأنه يريد قلب الحركة ذاتها فيما يخص المدينة المستديرة ، فتصبح خارجية - داخلية ، تنطلق من الأرباض المؤقتة التي أقامها جيش البنائين في اتجاه المدينة المستديرة ذاتها . ويرى لاسنر أن جمهور العمال المشتغلين في بناء المدينة الجديدة قد أفرزوا مدينتهم الخارجية قبل الانتهاء فعلا من المدينة المستديرة ، وتحت أسوارها بالذات . كيف ذلك ؟ في شكل مركب مدني قيد التوسع ، بمقابره ومساجده ومؤسساته المستقلة « 2 » . وبذلك يكون قد سبق الكرخ ، وعلينا أن نقول إنه الكرخ الأول ، مدينة السلام . وتصطدم هذه النظرة بشهادات المصادر كما سنرى ذلك ، وسلسلة التواريخ التي تقترحها المصادر نفسها . لكن المهم الآن أن نؤكد هذا التعارض ، الذي أبرزه المؤلف ، بين تكوّن الكوفة وتكوّن بغداد ، حين قلب اتجاه النمو الأول « 3 » . وهنا يكمن التضارب ، إضافة إلى أن التصور الذي اقترحه لنشأة الكوفة كان خاطئا . ذلك أن هذا المؤلف جعل من المدينة المستديرة مدينة منشأة بصفة ممتازة من جهة ، قد تمّ تصميمها بصرامة مسبقا ، وكأنها قدت في قالب أسقط على الأرض كما قال الجاحظ ، وهو يجعل منها من جهة أخرى امتدادا لمدينة عفوية سابقة للمدينة الأولى . وإذا ما صدقنا لاسنر فإن مدينة المنصور تفقد كثيرا من مظهرها الإرادي ولا سيما أنه وصفها

--> ( 1 ) Ibid . , p . 103 . ( 2 ) Ibid . , pp . 139 - 140 . ( 3 ) Ibid . , pp . 138 - 139 .