هشام جعيط

154

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

كمنتوج « لتطور بدأ من الخارج إلى الداخل ( oustide - in ) « 1 » . وإذا استقرت المدينة الحقيقية - مدينة السكان والأسواق والعسكريين والصناع والتجار - خارج الأسوار من أول وهلة ، فماذا يبقى في الداخل سوى مركز إداري ، أي « ملك خاص للخليفة » شبيه نوعا ما وفي خاتمة المطاف بحامية الكوفة ؟ وأين يكمن أيضا تطور الداخل بواسطة الخارج ، إذا ما خطّت المدينة المستديرة مسبقا ، وحصر مجالها ، فكانت فعلا لا تقدر على النمو إلا قليلا ؟ وعندئذ ، هل يتعلق الأمر بمصر معكوس ؟ يكفي القول إن المركز كان موجودا تماما في المصر وأن كل دفع ممكن صدر منه - وهو أمر يبدو لنا بديهيا - وأن نعيد إلى الجادة معنى تطوره لكي تصير بغداد صنوا للكوفة ، طبق مقدمات لاسنر نفسه . لقد أنشىء مركز هنا وهناك ، وتحول إلى مدينة حقا - مدينة عفوية - بفضل امتداداته المتنامية . لكنّ هذه المقدمات خاطئة ، ولا سيما بخصوص الكوفة . والحق أن كل المواقف المشار إليها سابقا والقابلة للمحاججة بالنظر للأمصار الأخرى ، يتبين خطؤها قطعا بالنسبة للكوفة . فيمكن عند الضرورة الصاق مفهوم « المدينة العفوية » بالبصرة فعلا ، لا بسبب الثنائية المتصورة بين المعسكر والمدينة المقبلة ، ولا كذلك بسبب تطور ما خارجي مستقل عن المصر البدائي ومنعكس عليه ، بل بالأحرى لأن البصرة خلافا للكوفة ، ظهرت بصفة عفوية نسبيا ، متواضعة في الأصل ، وانبعثت انطلاقا من حافز على الهجرة جدّ لدى قبائل البحرين . لم تؤسس البصرة بفعل عمل مصمّم ومسترسل من طرف السلطة بل هي ظاهرة متفرّعة شبه هامشية ، ظاهرة ما زالت غامضة . فضلا عن أن في البصرة يدرك هذا التطور البطيء الذي تم على مراحل ، من الخيام الوطيئة إلى خصاص القصب التي ترفع أثناء الحملة . وقد وصفت المصادر بوضوح أول مسجد في البصرة على أنه مخطط بكل بساطة لا غير ، إنما لم يتمّ بناؤه ولعله أحيط بسياج من القصب . وإذن فليست ظروف البصرة هي ظروف الكوفة حيث استقر أكثر الجيش الفاتح الذي انتصر في معارك القادسية والمدائن وجلولاء : وهي مجموعة ملحاحة متماسكة تطالب وتحصل على رعاية السلطة . فيمكن فعلا الإشارة إلى عفوية نسبية في البداية بخصوص البصرة . ولم يتردد كايتاني في الإشارة إلى هذا الأمر « 2 » ، مقارنا بين البصرة التي « تولدت من ذاتها ، ولضرورة في نفسها » ، وبين الكوفة التي ظهرت « اعتباطا » وبإرادة شخص . وقد أدرك ريتميير Reitemeyer ذلك الأمر جيدا « 3 » ، وجاراه كرسويل Creswell « 4 » . لكن بالنسبة للكوفة لا

--> ( 1 ) Ibid . , p . 140 . ( 2 ) Caetani , Annali dell'Islam , III , 2 , p . 834 . ( 3 ) Reitemeyer , Stdtgrundungen der Araber in Islam , p . 15 . ( 4 ) Creswell , Early Muslim Architecture , ouvr . cit . I , p . 15 .