هشام جعيط

147

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

- 11 - مدينة بلا وجه هل هي مدينة إسلامية ؟ هل من يقين في هذا المضمار ؟ هذا تساؤل مطروح من طرف الاستشراق ويعلل بالتصور الآتي : بما أنه اتضح وجود فترتين في تاريخ هذه المدينة ، فترة أولى ( أمددها بعضهم إلى القرن الحادي عشر ) ربما تميزت بشبهها بالعصور القديمة اليونانية والفارسية والبابلية والبيزنطية ، فيستنتج أن المدينة الاسلامية طالما اتسمت ببعض الاستقلالية في مؤسساتها ، وبكونها منفتحة واسعة في مخططها ، وبما أن هذه التشابهات والاقتباسات والتأثيرات واردة ، فالرأي أن هذه المدينة لم تكن إسلامية « 1 » . وجملة القول إن الاسلام لا يصبح إسلاميا كما قيل ، إلا في عصر متأخر . إن الإسلام الأولي المقاتل والعربي ، وكذلك الاسلام المعتد في العصر العباسي ، ذاك الاسلام المتردد بين قطب استبطان المحيط الثقافي وقطب المقاومة ، في حركة جدلية قوية ، يفقد صفته الاسلامية والمدينة من وراء ذلك . وهكذا ، لا يمكن لأية حضارة أن تنسب إلى اسمها إلا حين تنهي بناء ذاتها ، لا في مرحلة التكون ، حتى لو تبين أن هذا التكون تم عن وعي وعمدا . وأحسن من ذلك ، يحدد كيانها الأول بالمؤثرات الحاصلة ، لا بنصيبها من الخلق والابداع . نزع قيرث أيضا ، وبكيفية أخرى ، الصبغة الاسلامية عن المدينة الاسلامية ، فجعل منها مدينة شرقية . كان واعيا بانتظام الشكل في البداية ، وهو أمر صحيح مهم ، وباختلاله في النهاية ، تبعا لأسلوب النمو على رأيه ، لكنه يتقدم شوطا أبعد من ذلك ويقوم بالتنظير ؛

--> ( 1 ) Claude Cahen , « Mouvements populaires et autonomisme urbain dans l'Asie musulmane du : moyen a ? ge » , in Arabica , V ( 1958 ) , pp . 225 - 250 , et VI ( 1959 ) , pp . 25 - 56 , 223 - 265 . يلح كاهن على فكرة استرسال الماضي قبل الاسلامي . ويعرض أن يعود إلى فكرة الإسلام بصنفيه . ويختم لابيدوس دراسته عن « المدن الاسلامية والمجتمعات الاسلامية [ Ira Lapidus , Middle Eastern Cities , p . 73 ] فيؤكد بوضوح أن « المدن كانت وحدات جسدية لا كيانات اجتماعية موحدة ومحدّدة بصفات اسلامية مميزة » .