هشام جعيط

148

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

إن رغبته في إبراز خصوصية المدينة الاسلامية تنتهي به إلى حرمانها من أي طابع إسلامي « 1 » . يمكن تلخيص مظاهرها المميزة فيما طرأ على المخطط من قلب عجيب ، وفي ظاهرة الزقاق غير النافذ - وهي خاصية لتنظيم المجال تعكس سلوكا معينا للجماعات البشرية - « لا نجدها في مدن العصور القديمة الكلاسيكية ولا في مدن العهد الأوروبي الوسيط » ، وتكون مشتقة من الشرق القديم ، ومن هذه المظاهر أيضا الدار ذات الصحن الداخلي ، وهي إرث شرقي ، والتنوع الاثني للاحياء وبالخصوص وجود السوق . ويرى قيرث أن الخاصيات الأربع الأولى ليست ابتكارات إسلامية ، بل هي عناصر شرقية لا تتميز إلا بالنسبة للتقليد الكلاسيكي أو الأوروبي ، والسوق فقط إبداع ثقافي إسلامي « 2 » . على أن « السوق ( البازار ) بصفتها مركزا تجاريا يعمل بمقتضى مبادئ اقتصادية عقلانية ، هي مؤسسة لها أضعف الصلات بالاسلام كدين » ، يقول قيرث مسترسلا في تفكيره دون حرج ، جامعا بين الأفكار الاستشراقية المسبقة والفرضيات المسبقة كما يجدها عند قيبر « 3 » . ليست هذه المدينة إسلامية لأن أغلب خاصياتها مستمدة من المدينة الشرقية . فهل نسميها لذلك شرقية ؟ لا ، حيث « إذا اعتمدنا الآثار المادية والتوثيق المختص بهندسة العمارة ، فإنه يبدو معقولا العدول عن عبارة ( مدينة شرقية ) » وأخيرا فإنها ليست مدينة عربية « 4 » . إنها مدينة بدون اسم ، لا ترتبط بأية حضارة معينة . ويختم قيرث تدليله دون أن يستنتج فكرة ما ، لأنه بقي حبيس تصوراته الذهنية ، فهو يرى جيدا أنه حتى بإسناده عناصر شكلية إلى التسلسل الشرقي فإنه يستحيل ، من الوجهة الأثرية ، مماثلة هذه المدينة الفاقدة لكل اسم بالحاضرة الشرقية . الحقيقة أن نقطة الضعف تكمن بالنسبة لكل هذه المساعي ومنها مسعى قيرث كما مسعى من سبقه وبسبب مفارقة هائلة ، في التصور المسبق العنيد للاسلام كدين صرف وجديد إطلاقا ، ويكاد أن يكون مثاليا ، وفي أنه قام بداهة على أرضية تاريخية ملموسة مزجها ، وشكلته هي بدورها . وجملة القول ، يكمن هذا الضعف في العمى تجاه الامتدادات والانقطاعات التي تؤسس مجرى التاريخ بالذات . انطلق المحللون من هذا الوضع ، فجمعوا الفرضيات والمتناقضات ، إضافة إلى إصدار أحكام قيمية ضمنية وصريحة . ومن الغريب أن قيرث أعلن أن العصور الكلاسيكية

--> ( 1 ) « Die Orientalische Stadt » , op . cit . , p . 87 . ( 2 ) « Zum Problem des Bazars . . . » , Der Islam , 52 ( 1975 ) , p . 39 ; « Die Orientalische Stadt » , Saecu - Lum , p . 83 . ( 3 ) « Villes islamiques , villes arabes , villes orientales » , op . cit . , p . 198 . ( 4 ) Ibid . , p . 198 .