هشام جعيط

105

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

بالحيرة « 1 » ، ولقد ذكرنا أن بيت المال كان ضمن هذا القصر . ثم طرأت سرقة هذا البيت ، فتقرر هدم المسجد وجعله قريبا من القصر ومحاذيا له « 2 » ، فأعيد بناء المسجد والقصر مرّة أخرى انطلاقا من بقايا قصر ساساني بالحيرة « 3 » . يورد سيف ذلك وكأنه يذكره للمرة الأولى « 4 » . الواقع أن المسجد الحالي ملاصق لميمنة القصر في اتجاه القبلة ، بالصورة التي بيّنها سيف ، كما بقيت آثار نفق من العصر الأموي ، إلا أن الوصل قد تم في المستوى الأموي المتأخر ، بالسور الخارجي للقصر ، ويمتد ضلعه على أكثر من 168 مترا « 5 » . ومن المفارقة أن الآثار الوحيدة التي تبقت من المستوى الأول للحفريات توجد من جهة المسجد ، لكن في الحوزة الداخلية التي كانت تحدد محيطا ضلعه 114 مترا « 6 » ، أي بتراجع يقدر ب 30 مترا ، بالنسبة إلى حائط المسجد . ليس من شك في أن القصر الأصلي المشيد لم يكن يتجاوز الحزام الداخلي « 7 » . وبما أن الزوايا الأموية الملاصقة للمسجد ما زالت قائمة ، فمن المرجح أن حدود المسجد الحالي ، الذي تأخر بناء جدرانه ، تعود إلى العصر الأموي ، مع أنها تتراجع قليلا إلى الداخل بما قدره 3 أمتار و 60 سم . ولا تتوفر لدينا أية معلومات عن اتساع القصر على حساب المسجد ، بل بالعكس ! لقد بني المسجد لاستقبال 000 ، 40 شخص في ولاية سعد ، وجرى توسيعه في إمارة زياد ، بحيث صار يحوي 000 ، 60 شخص « 8 » . ولإنقاذ رواية سيف ، يكمن الحل الوحيد في التفكير في اتساع القصر بين السورين وعلى حساب المسجد الذي امتد في اتجاه الشمال ، فعاد بذلك إلى موقعه السابق . وفي هذا المعنى ، هناك مؤشرات قليلة وكثيرة الغموض . لكن ألا يقرب من المعقول أن نفكر بخصوص ما يقوله سيف ، في عملية إعادة بناء ذهنية تمت في وقت لا حق ؟ كانت مواد الحيرة موجودة فعلا ، لكن النمط المعروف بالنمط الحيري ينتمي إلى الطبقة الأثرية الشائعة في العصر العباسي

--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ج 4 ، ص 46 . انظر الخرائط . ا ( 3 ) المرجع نفسه ، ج 4 ، ص 46 . كايتاني يمرّ مرّ الكرام على هذه المراحل المتنوعة : . Annali , III , 2 , p . 858 . ولم يحتفظ إلّا بفكرة « الدار » كنواة للقصر العتيد المبني انطلاقا من آثار الحيرة . وقد شكك ريتميير بأقوال سيف : . Reitmeyer , op . cit . , p . 34 ( 4 ) متناسيا أنه تحدث عن قصر سعد في اللحظة الأولى مما جعله يناقض نفسه . ( 5 ) الشكل الأول من دراسة محمد علي مصطفى وص 38 ؛ الجنابي ص 138 - 139 ، وشكل 14 . ( 6 ) بالضبط 95 ، 113 مترا من الشرق إلى الغرب و 86 ، 113 مترا من الشمال إلى الجنوب . انظر : محمد علي مصطفى ، ص 60 . ( 7 ) راجع تصميم الجنابي الذي نقل بالضبط تصميم محمد علي مصطفى . ( 8 ) ياقوت ، معجم البلدان ، ج 4 ص 491 .