هشام جعيط
106
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الأول « 1 » ، الذي هو عصر سيف بالذات ، كما أن وجود الدهليز في واقع الأمر أمكن إسقاطه في الفترة الأولية . ويرجح كثيرا أن نقل المسجد لم يكن بعيدا من القصر ، عندما أعيد بناؤه ، ولكنه لم يتلاصق الجهازان المتقاربان إلا في العصر الأموي المتأخر ، وذلك بزيادة السور الخارجي للقصر ، وهذا ما يفسر وجود الدهليز الذي كان يمر منه الوالي « 2 » ، وهذا أيضا إسقاط يرد إلى الماضي . وتتفق النصوص الكتابية وعلم الآثار على تحديد موقع البنايتين وعلى أبعادهما الإجمالية « 3 » ومحيطهما القريب ( السوق والرحبة ) . ويتفق سيف والبلاذري على القول إنه ترتب عن المحاولات المترددة في العصر الأولي ، عمل منقوص تمثل في مسجد بدون أروقة ، وقاعة صلاة بسيطة للغاية ( كانت مبنية إما بالقصب وإما باللبن ) . ولا يقل القصر بساطة عنها ، إذ بني بهذه المواد ذاتها . ولعل الاقتباسات المستمدة من قصور الحيرة القديمة قد أضيفت مع باب خشبي كبير . وما تبقى من الأسس السابقة للعصر الأموي يطرح مشكلة حقيقية : هل كان ذلك في عصر زياد أم في عصر سعد ؟ لكنّ الإطار كان مسطّرا ، وكانت الفكرة واضحة ، فهي تتمثل في توأمة ممتازة بين المعبد والقصر ، وسط مساحة عمومية كبرى ما زالت منيعة عن البناءات الخاصة . الرحبة والسوق والآري : هناك ثلاثة عناصر أخرى تشكل المساحة المركزية . أولا الرحبة ، وهي كلمة بقيت شائعة في لغة المدينة العربية المعاصرة « 4 » ، توحي بالاتساع ، والمكان الخالي ما عدا بعض المناسبات ، في المجال المدني . وهي ملاصقة هنا للقصر والمسجد من جهة اليمين ، في اتجاه القبلة ( تقع في رسمنا يسارا ) . وقد بين سيف ذلك قائلا : « ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال منه إلى منتهى القصر يمنة على القبلة ثم مدّ به
--> ( 1 ) محمد علي مصطفى ، مرجع مذكور ، ص 58 . ( 2 ) الجنابي ، ص 141 . ( 3 ) بخصوص المسجد : سيف برواية الطبري ، ج 4 ، ص 45 ، قدر طول الظلّة ب 200 ذراع أي ما يزيد قليلا عن 108 أمتار . وهذا قياس لا علاقة له برمية السهم . لكنه مطابق لما توصلت إليه التنقيبات الأثرية من نتائج : 110 أمتار لحائط القبلة ، و 109 م لحائط الشمال ، و 116 م لحائطي الشرق والغرب . راجع في هذا الخصوص : وثائق مديرية الآثار ، بغداد ، ص 10 . الذّراع هنا لا يمكن إلّا أن تكون الذراع السوداء المقدرة ب 45 سم : . Hinz , op . cit . , p . 61 . ( 4 ) قارن برحبة الغنم في تونس . وقد لاحظ البراقي أن في المدن العربية فسحات تسمّى صفوة ، أو صفاوة ، أو مناخة : التاريخ ، ص 120 .