ابن إياس
73
نزهة الامم في العجائب والحكم
ومنبعه ومبدأ ظهوره أثنى عشر عينا ، فتصب تلك المياه إلي بحيرتين هنالك كالبطائح ، ثم يجتمع الماء منهما جاريا فيمر برمال هنا لك وجبال ، ويخرق أرض السودان فيما يلي بلاد الزنج فيتشعب منه خليج يصب في بحر الزنج ، ويجري علي وجه الأرض تسعمائة فرسخ [ ق 58 ب ] في عامر وغامر من عمران وخراب ، حتى يأتي أسوان من صعيد مصر . وقال في كتاب هروشيش : أن نهر النيل مخرجه من ريف بحر القلزم ثم يميل إلي ناحية الغرب ، فيصير في وسطه جزيرة ، وآخر ذلك يميل إلي ناحية الشمال فيسقى أرض مصر . وقيل أن مخرجه من عين فيما يجاور الجبل ثم يغيب في الرمال ، ثم يخرج غير بعيد فيصير له محبس عظيم ، ثم يساير على قفار الحبشة ، ثم يميل علي اليسار إلي أرض . قال : ونهر النيل وهو الذي يسمي بأون مخرجه خفي ولكن ظاهر إقباله من أرض الحبشة ويصير له هناك محبس عظيم مجراه إليه مائتا ميل . وذكر مخرجه حتى ينتهي إلي البحر . وقال : وكثيرا ما يوجد في نهر النيل التماسيح . وأقبال النيل من أرض الحبشة ليس يختلف فيه أحد ، وعدة أميال من مخرجه المعروف إلي موقعه مائة ألف وتسعون ألفا وتسعمائة وثلاثون ميلا وماء النيل يجري علي مر كل وهو عذب دفىء ، والنيل إذا وصل إلي الجنادل كان عند انتهاء مراكب النوبة إنحدارا ، ومركب الصعيد أقلاعا وهناك حجارة مضرسة [ ق 59 أ ] لمرور المراكب عليها إلا في آوان زيادة النيل ثم يأخذ على الشمال فيكون على شرقية أسوان من الصعيد الأعلى ، ويمر بين الجبلين يكتفيان أعمال مصر . أحدهما شرقي ، والآخر غربي ، حتى يأتي مدينة فسطاط مصر فيكون في بره الشرقي ، فإذا تجاوز فسطاط مصر بمسافة يوم ، صار فرقتين تمر حتى تصب في بحر الروم عند دمياط وتسمى هذه الفرقة بحر الشرق ، والفرقة الأخرى هي عمود النيل ومعظمة يقال لها بحر العرب تمر حتى تصب في بحر الروم أيضا عند رشيد ، وكانت مدينة كبيرة قديم الزمان . ويقال أن مسافة النيل من منبعه إلى أن يصب في البحر عند رشيد سبعمائة وثمانية وأربعون فرسخا ، وأنه يجرى في الخراب أربعة أشهر ، وفي بلاد السودان شهرين وفي بلاد الإسلام مسافة شهر . وذهب بعضهم إلي أن زيادة ماء النيل إنما تكون بسبب المد الذي يكون في البحر ، فإذا فاض ماؤه تراجع النيل وفاض علي الأراضي ، ووضع في ذلك كتابا حاصله أن حركة البحر التي يقال لها المد والجزر - توجد في كل يوم وليلة مرتين ، وفي كل شهر [ ق 59 ب ] مرتين ،