ابن إياس

212

نزهة الامم في العجائب والحكم

فلما كان يوم الاثنين تاسع عشرين المحرم من السنة المذكورة جلس الملك المعظم توران شاة على السماط ، فتقدم إليه أحد المماليك البحرية وضربه بسيف قطع أصابعه ففر إلى البرج الخشب الذي تقدم ذكره فصعدوا إلى أعلاه وأطلقوا فيه النار ، فألقى توران شاه نفسه في البحر وهو يقول ما أريد ملككم دعوني أرجع إلى حصن كيفا ، وصار يسبح في البحر والنشاب يأخذه من كل ناحية وهو يقول : يا مسلمين ما فيكم من يغيثنى [ ق 192 أ ] وسائر العساكر واقفه فلم يجبه أحد ، وأدركوه في البحر وقتلوه فمات حريقا غريقا قتيلا وذلك في يوم الاثنين المذكورة وترك ثلاثة أيام على شاطىء البحر لم يدفن ، والسماط ممدود ، فلما وقع ذلك اتفق أهل الدولة من الأمراء والمماليك على أن يولوا شجرة الدر والدة حليل زوجة الملك الصالح ، وأن يكون مقدم العساكر الأمير عز الدين أيبك التركماني الصالحي وحلف كل على ذلك وسيروا إليها عز الدين الرومي إلى قلعة الجبل وأعملها بما أتفق من الحال ، وصارت ملكة على مصر والقاهرة وكانت تكتب علامتها على المراسيم والدة خليل ، وخطب لها على المنابر في سائر النواحي وأقيمت دون السنة وكان سبب خلعها عن الملك أن الخليفة أرسل يقول لعسكر مصر أعلمونا إن كان ما بقي عندكم أحدا من الرجال يصلح للملك نرسل لكم من يصلح وأنكر عليهم لكونهم ، ولو امرأة ، فعند ذلك ولوا عز الدين أيبك التركماني الصالحي ، وكان لا يتصرف إلا بأمرها حتى غدرته وقتلته [ ق 192 ب ] في الحمام ، ثم بعد ذلك أمر بقتلها ولده على ، وأقامت ثلاثة أيام مرمية في خندق قلعة الجبل ، والناس تنظر إليها ودفنت بعد ذلك والمجازاة من جنس العمل ، وقد قال بعضهم في هذا المعنى ارتحالا . جرع كأسا كان يسقى بها * والمرء مجرى بأعماله وأما ما كان من أمر ريدا فرنسيس ملك الفرنج فإنه اشترى نفسه من المسلمين بمال جزيل وزفرجوا عنه وعن أقاربه ، ورحل إلى بلاده وحلفوه أنه لا يغدروا لا يعتدى على بلاد المسلمين ثم بعدد ذلك . لما كانت دولة الملك المنصور علي بن أبيك التركماني حشد ريدا فرنسيس عساكر عظيمة وجاء إلى ساحل دمياط فكتب إليه الوزير جمال الدين ابن مطروح : قل للفرنسيس إذا جئته * مقال نصح من مقول فصيح أجرك الله على ما جرى * من قتل عباد لدين المسيح اتيت مصرا تبتغى ما جرى * تحسب أن الزمر يا طيل ريحة