ابن إياس

109

نزهة الامم في العجائب والحكم

أخبار النوبة : ومسافة ما بين دنقلة إلى بلاد علوة أكثر مما بين دنقلة وأسوان ، وفي ذلك من القرى والضياع والجزائر والمواشي والنخل والشجر والمقل والزرع والكرم أضعاف ما في الجانب الذي يلي أرض الإسلام . وفي هذه الأماكن جزائر عظيمة مسيرة أيام ، وفيها الحيات « 1 » والوحوش ، ومفاوز يخاف فيها العطش ، وماء النيل ينعطف من هذه النواحي إلى مطلع الشمس وإلى مغربها مسافة أيام ، وهذا مكان يعرف بشنقير ، ومنه يخرج القمرى وفيه يكون فرس البحر . قال [ ق 389 ] سيمون : صاحب عهد علوة ، أنه آحصى في جزيرة سبعين دابة منها وهي في خلقة الفرس غلظ الجاموس ، قصيرة القوائم ، لها خف ، وهي في ألوان الخيل بأعراف وآذان صغار كأذان الخيل وأعناقها وأذنابها مثل أذناب الجواميس ، ولها صهيل كالخيل وأنياب لا يقوم حذاءها تمساح ، وتعترض لبعض المراكب فتغرقها ، ورعيها في البر العشب ، وحافرها مشقوق كحافر البقر وهو يأكل التمساح أكلا ذريعا . وأتفق أن بعض الناس نزل على شاطىء النيل ومعه حجرة ، فخرج من الماء فرس أدهم عليه نقط بيض ، فتراما على الحجرة فحملت منه وولدت مهرا عجيب الحلقة ، فطمع في مهر آخر فجاء بالحجرة والمهر إلى ذلك الموضع ، فخرج الفرس من الماء وشم المهر ساعة ، ثم وثب في الماء وتبعه المهر إلى الماء ، فصار الرجل يتعاهد ذلك المكلن كثيرا ، فلم يعد الفرس ولا المهر إليه . قال المسعودي : والفرس يكون في نيل مصر إذا خرج من الماء وإنتهى وطئه إلى بعض المواضع من الأرض ، علم أهل مصر [ ق 89 ] أن النيل يزيد إلى أن يبلغ ذلك الموضع بعينه وذلك عندهم لا يختلف لطول العادات والتجارب . وفي ظهوره من البحر ضرر للغلات والزرع ، وذلك أنه يظهر في الليل ينتهى إلى موضع من الزرع ، ثم يولى عائدا إلى الماء فيرى في حال رجوعه من الموضع الذي إنتهى إليه مسيرة ، ولا يرعى من ذلك الذي قد رعاه في ممره شيئا ، وإذا رعى وورد الماء وشرب منه ، ثم قذف ما في جوفه في مواضع شتى ، فينبت ذلك مرة ثانية . وإذا كثر ذلك من فعله ، واتصل ضرره بأرباب الضياع طرحوا له شيئا من الترمس فيأكله

--> ( 1 ) وردت في الأصل الجبال .