أيوب صبري باشا

102

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أهل مكة » وبهذا ينقلون أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حض على عدم امتلاك الأموال في مكة بل في المدينة لأن مال كل إنسان يكون بجانبه . إن مدينة دار السكينة مثل « 1 » كير الحداد يفرق بين المخلصين من الموحدين وأهل النفاق وتفصل بينهما ، كما أن الكير يفصل بين الحديد وخبثه وهكذا تفصل المدينة المنورة تمحص قذارة ووسخ أهل النفاق وتبعدهم عنها وتصفى وتبقى على أهل الإخلاص . قال أحد الأعراب - وكان قد مرض بالمدينة - للرسول صلى اللّه عليه وسلم يا رسول اللّه ! أقلني عن بيعتي « 2 » . فأبى الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأعرض عنه ، وغادر الأعرابي المدينة . عندئذ قال خير البرايا - عليه أكمل التحايا - « وإن المدينة المنورة مثل كير الحداد يزيل الخبث ويصفى الطيب » « 3 » يفهم من هذا الحديث أن المدينة المنورة لا تقبل أهل الفساد والبدعة وتطردهم بعيدا ، وما زالت هذه الخاصية في المدينة الشهيرة ومشهورة بها . وإن قال بعض الذوات أن الخاصية بالمدينة تنحصر في عصر السعادة فبناء على حكم القول الشريف « لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها » « 4 » وبناء على ما قاله عمر بن عبد العزيز عندما كان يفارق المدينة المنورة « أخاف أن أكون من الذين تبعدهم المدينة وتطردهم » فخاصية المدينة المنورة ستستمر إلى ظهور الدجال ، ولكن الأشخاص الذين ستطردهم المدينة هم الكفار الذين يتصفون بالخبث الكامل ، أما العصاة الذين لم يصلوا إلى درجة الكفر ينقلون إلى أماكن مناسبة بواسطة الملائكة بعد ارتحالهم وموتهم ، ويفهم من هذا أن أهل المدينة الذين لا

--> ( 1 ) يطلق الكير على موقد الحداد موقد المعادن . ( 2 ) الإقالة الادعاء بأن الإنسان قال شيئا وفي الحقيقة لم يقل شيئا كالافتراء . ( 3 ) الخبر في الصحيحين : انظر صحيح مسلم 3296 فتح الباري 13 / 200 ، 201 باب بيعة الأعراب ، عمدة القاري 10 / 245 . ( 4 ) رواه الإمام مسلم في صحيحه ، كتاب الحج ، باب المدينة تنفى شرارها ، حديث 3293 . ط دار الغد العربي .