أيوب صبري باشا
101
موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب
المشحون بالفيض الإلهى لقى شخص آخر عبد اللّه ابن عمر وقال « يا أبا عبد الرحمن . قد حل زمن زاد فيه الجور والظلم وزادت حالة العباد ضيقا واشتدادا وبناء على هذا فأنا أريد أن أهاجر إلى بلد ذي شهرة بالرخص » . فذكر له عبد اللّه بن عمر الحديث الطويل سالف الذكر وقال له لا تفارق مكانك الذي أنت فيه ولو خطوة واحدة . إن تفضل الآمر بالحكمة - عليه أفضل التحية - قائلا « أكون إما شفيعا أو شهيدا على من يتحملون بلايا المدينة المنورة بالصبر عليها » لا يشك فيه لأن معناه أكون شاهدا للمطيعين وشفيعا للعصاة ولما كانت هذه الشفاعة أخص من الشفاعة العامة فإن ذلك الحديث يدل على أن سكنة تلك المدينة المذكورة يتوفون على إيمانهم ومعلوم أن الشفاعة ستكون في حق أهل الإيمان . إن تبشير متوفى المدينة جعل سكان دار السكينة رهن السرور ومما لا شك فيه أن الحديث الشريف ( من مات بالمدينة كنت له شفيعا يوم القيامة ) « 1 » سيسر الذين يؤثرون الفداء بأرواحهم في المدينة المنورة ، ويروى ابن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يدعو في أثناء وجوده في مكة قائلا « نرجو من المعطى ألا يتوفانا في مكة المكرمة » وذلك عن صحبته له - عليه السلام - ويروى من مصدر موثوق أن صاحب الآيات - عليه أفضل التحيات - يقول « إن الذين لهم ملك في المدينة يجب أن يحرصوا على المحافظة على أملاكهم وأن يسعى الذين لا يملكون شيئا في المدينة لبذل الجهود على أن يمتلكوا شيئا فيها » ، كما أنه - عليه السلام - نبه المهاجرين إلى البلدة الطيبة أن يهيئوا لأنفسهم ولو شجرة نخلة « 2 » واحدة . وقد روى الإمام الزهري مرفوعا « لا تتخذوا الأموال بمكة واتخذوها في دار هجرتكم فإن الرجل مع ماله » كما روى ابن عمر الحديث اللطيف « لا تتخذوا من وراء الرق حاملا ولا ترتدوا على أعقابكم بعد الهجرة ولا تنكحوا بناتكم طلقاء
--> ( 1 ) عند الترمذي بلفظ : « من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها » وفي رواية الطبراني : « فإنه من مات بها كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة » . وقال : حسن صحيح . انظر : إعلام الساجد ص 248 ، مجمع الزوائد 3 / 306 . ( 2 ) راجع مجمع الزوائد 3 / 301 .