طوني مفرج
48
موسوعة قرى ومدن لبنان
والدواء ، ففقدت المدينة نحو نصف أبنائها بالموت جوعا ومرضا ، وهاجر عدد من الناجين فور فتح دروب البحار إلى بلدان الأميركتين . بعد نهاية الحرب العالميّة الأولى ، أخذت البترون تستعيد بعض نشاطها ، وعادت الحياة إلى سوقها القديمة المتأصّلة فيها ، التي تجمع بين حوانيتها عادات وتقاليد وحرفا شكّلت في الماضي موردا اقتصاديّا مهمّا . سنة 1939 دخل الجيش الفرنسيّ البترون واحتلّت فرقة منه المخازن والمستودعات القريبة من الشاطئ ، فحوّلتها إلى مرابط لخيلها ، وامتلأت جدرانها بالحلقات والسلاسل الحديديّة التي لا تزال ظاهرة فيها إلى اليوم . ويروي المعمّرون أنّ الجنود الفرنسيّين عند مجيئهم إلى البترون ، كانوا يركبون بغالا عرفت ب " بغال مرسيليا " ، وقد تميّزت بأطرافها العريضة ، ولكنّ الأمر لم يتوقّف عند ضرر البغال ، بل تعدّاه إلى ما هو أثقل بكثير ، إذ سرعان ما جاءت الدبّابات بجنازيرها الغليظة التي اقتلعت في طريقها إلى الميناء الحجارة التي رصفت بها طريق السوق . منذ ذلك التاريخ ، أخذت البترون تفقد ذلك المركز الإقليميّ التجاريّ والخدماتيّ الذي تميّزت به في السابق ، ينمّ عن هذا التحوّل الحركة الخجولة في سوقها اليوم ، وهي تقتصر على حرف بسيطة ، فالقسم الأكبر من سوق البترون القديمة تحوّل مستودعات ومخازن لا تفتح أبوابها إلّا نادرا ، ما أضفى على السوق ركودا وسكينة ، وانتقل بعض النشاط إلى الشارع الرئيسيّ للمدينة الذي شهد في النصف الثاني من القرن العشرين حقبات ازدهار وركود ، أمّا السوق القديمة فباتت عرضة لإهمال خلّف فيها آثارا واضحة على المباني التي تداعى بعضها بفعل الزمن . وكانت مديريّة الآثار قد أدرجت في برنامجها سنة 1975 مشروعا يقضي بترميم حوانيت السوق ، وبتحويل