عباس العزاوي المحامي
338
موسوعة عشائر العراق
وأسوأ حالتها ، وأنكى آلامها حينما تنقطع السبل في البدوي ، حياة شظف ، وعيشة عناء ومخاطر . . ! وهذه لم تكن كذلك دائما ، وإنما هناك أيام الربيع ، وأيام الراحة ، والطرب ، ومجالس الأنس ، وأوقات الغنائم . . . يتجول البدوي بين خمائل الأزهار ، ويتحول من نفح وطيب ، إلى تضوع وروائح . . . ويتمنى أن لو دام ، وبقي هو وعشيره يرعيان البهم يردد معنى ما يقوله الشاعر : فيا ليت كل اثنين بينهما هوى * من الناس والأنعام يلتقيان فيقضي حبيب من حبيب لبانة * ويرعاهما ربي فلا يريان ربيع جميل ، وخير متدفق ، زائد عن الحاجة ، ورخاء ونعيم ، لا يعوزه الا الدوام ، والغنى الوافر ، والأمن الدائب ، والقوة المنيعة . . . وهناك الحياة الطيبة ، والعيشة الراضية ، والأمل الكبير ، والعمر الطويل . . . وكذا الحضري لو رآها تمنى أن يبعد عن غوغاء الحضارة ؛ وضوضاء المدن ، وعفونة الهواء ، وضيق العطن ، والانهماك في ملاذ لا حد وراءها ، نغض في العيش ، وسهر دائم ، وعلل متوالية ، وأمراض فتاكة ، وإذا أضيف إليها قسوة المجتمع وظلمه ، فهناك الويل والثبور . . . ورغب في هذه الحياة الهادئة المطمئنة . . . ! والحياة لا تبقى على حالة ، وهذا النعيم لا يطول ، قصير عمره ، مستأهل تخليده ، لو أن حيا خالد . . . مشوبة بغزو وقتل ، ونهب وسلب ، ومنغصات كثيرة ، ومزعجات عديدة . . . هذه البادية في أقاصي المعمورة ، وأبعد المنقطعات لا يرغب فيها المتنعمون ، ولا أهل الثراء ، منغصة دائما ، ومكدرة دوما ، ما أحلاها أيام الربيع وأصعب مركبها ، وما ألطفها في سني الخير وألذ حياتها لولا ما فيها من تلك المنغصات . . مشوبة أفراحها بأتراح وصحتها بعلل ، وشبابها بشيخوخة ، فإذا قال الأول : لا طيب للعيش ما دامت منغصة * لذاته بادّكار الموت والهرم