جعفر الخليلي

86

موسوعة العتبات المقدسة

وذهب إليهم وراح يخاطبهم بلهجة تدمي الفؤاد ويذكرهم بماضيهم وتاريخهم وبآبائهم وأجدادهم ، ورسالة إسرائيل ، فلم يعبأوا به ، ثم أخذ يحذرهم وينبههم إلى المصير المظلم الذي ينتظرهم ، والخراب الذي سيحل بالمدينة والهيكل فذهبت توسلاته ادراج الرياح . ولذلك بدأت الحرب ثانية من السور الثاني ، وكان الهدف برج أنطونيا . واندفعت مقدمة الجيش من خلال شوارع الضاحية إلى منطقة الهيكل والجهة العليا من المدينة . واستمرت المقاومة خلال الوقت كله . وكان الرومان إذا ما جنّ الليل يلاحظون أشباحا هزيلة تحيط بهم من كل الجهات ، وكانت هذه الأشباح تتسلل من الداخل ناجية بنفسها من جحيم الحصار وجوعه في داخل المدينة . وقد رأى تايتوس ان ينتقم من هؤلاء تأديبا للذين يقاومون في الداخل ، فأمر بان يصلب على الأعواد كل هارب أو ملتجىء أو طالب طعام أو علف . وتنفيذا لذلك الأمر كان الجنود المرتزقة يصلبون خمسمائة شخص يوميا على صلبان تنصب خارج المدينة ، وسرعان ما تكونت غابة كبيرة تمتد إلى سفح التلول ، واستمر هذا العمل حتى توقف بتعذر الحصول على الخشب المطلوب للصلبان . فقد قطعت الأشجار كلها لهذا الغرض ولأغراض الحصار الأخرى ، وأصبح ما يحيط بالمدينة قاعا صفصفا ، وحتى جبل الزيتون لم يعد يتكون فيه الظل المألوف . وفسد الهواء بروائح الجثث المنتنة التي كانت ترمى إلى الخارج وتتكدس بقرب الأسوار بالآلاف ، وهي جثث المائتين من الجوع والساقطين صرعى في الحروب وغيرهم . ولأجل تشديد الحصار والنكير على المدينة ومن فيها أمر بأن تحاط كلها بسدود عالية من التراب ، فتم ذلك وطوقت القدس من جميع الجهات بعد ان اشتغل فيها أفراد الجيش في الليل والنهار ، وتم كذلك انشاء ثلاثة عشر استحكاما وعدد من النقاط الحصينة الأخرى . وبهذا انقطع حتى تهريب بعض القوت والطعام والنجدات إلى داخل المدينة . فخيّم شبح المجاعة على القدس التي كانت ملأى إلى حد الطفوح بالحجاج ، وأخذ الموت يحصدهم