الياس شوفاني

69

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

التوسع ، واختارت المبادرة إلى الاشتباك بالشعوب المجاورة ، والعمل على إخضاعها وتسخير طاقاتها البشرية ومواردها الطبيعية في خدمة أغراضها هي . كانت النوبة مهمة للفراعنة بسبب مناجم الذهب فيها ، وكذلك الطاقة البشرية . أمّا أرض - كنعان ، فأهميتها استراتيجية أولا ، واقتصادية ثانيا . فمن الناحية الاستراتيجية ، باحتلال فلسطين ينقل المصريون ساحة الصراع مع منافسيهم في غرب آسيا إلى خارج حدودهم . ومن الناحية الاقتصادية ، الهيمنة على فلسطين تعني السيطرة على طرق التجارة الدولية ، وبالتالي التحكم في حركة البضائع التي تمر بها . وفي فلسطين كان يمرّ طريقان مفصليان في التجارة الدولية آنذاك : الأول على الساحل ، وهو طريق البحر ، والثاني في الداخل ، وهو طريق الملك ، والفراعنة أرادوا وضع يدهم عليهما . في النوبة أقام الفراعنة إدارة دائمة ، فبنوا مدنا وقرى ، وشحنوها بالجنود والمستوطنين . أمّا في أرض - كنعان ، فلم يفعلوا ذلك ، بل عمدوا إلى الإفادة من الإدارة القائمة ، ورفدوها بمندوبين من قبلهم ، تدعمهم حاميات عسكرية ، محدودة العدد والعدة . وفضلا عن ذلك ، استخدموا قوة الردع التي شكلتها الحملات العسكرية التأديبية المتتالية . ويبدو أن المصريين وعوا حدود قدرتهم على ضبط الأوضاع في فلسطين ، آخذين في الاعتبار إمكاناتهم الذاتية والواقع السكاني فيها ، وما له من روابط مع بلاد الشام والعراق . وبناء عليه ، زاوجوا بين الترغيب والترهيب ، تحاشيا لدفع الكنعانيين إلى الوحدة والانحياز إلى أبناء عمومتهم في الشمال ضد التغلغل المصري في غرب آسيا . ولكن هذه السياسة لم تصب نجاحا كاملا . وعندما تهيّأت أوضاع مصر لتبني سياسة توسعية ، كانت فلسطين ، أسوة بكل الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ، قد بلغت شأوا حضاريا وسياسيا يصعب إلغاؤه بهزيمة عسكرية . فالمجتمع العموري - الكنعاني في هذا العصر ( منتصف الألف الثاني قبل الميلاد ) ، كان يتمحور حول عدد من مدن - الدولة ، تتفاوت حجما وقوة . ومع أنها شكلت وحدة حضارية - لغوية ، إلّا إنها افتقدت مقومات الوحدة السياسية . ومع ذلك ، فقد قام فيها من تطلع إلى القيام بدور المركز السياسي ، أو ادّعى ذلك ، وسعى لإقامة ملكية كبيرة ، كما حدث في حاصور وقادش وتونب ( وسط سورية ) ونوخاشي ( جنوب حلب ) وأوغاريت وغيرها ، على سبيل المثال لا الحصر . وبتولي السلالة 18 السلطة في جنوب وادي النيل ، نحو سنة 1580 ق . م . ، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر ، عرفت باسم المملكة الجديدة ، امتدت 400 عام ، تعاقبت فيها على السلطة السلالات 18 و 19 و 20 . وفيها بلغت مصر ذروة